وضع داكن
20-04-2024
Logo
الدرس : 10 - سورة فاطر - تفسير الآيات 41-45، نظام الجاذبية
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

الكون معجزة:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع الدرس العاشر والأخير من سورة فاطر.

وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى في الآية الأربعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ..الحقيقة أن هذه الآية من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فالسماوات والأرض تعبير قرآني عن الكون، والكون كل ما سوى الله، الله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، فالكون يُعَبر عنه القرآن الكريم بكلمة السماوات والأرض. 

 

كل مجرات الكون متحرِّكة خاضعة لنظام الجاذبية:


في أحدث البحوث العلمية المتعلقة بالفلك إن عدد المجرات يقترب من مليون مليون مجرة، وعدد نجوم المجرة المتوسط يقترب من مليون مَليون، وكل نجم في هذه المجرات يتحرك، ولولا تحرك النجوم لأصبح الكون كتلةً واحدة، لأن كل نجم حينما يتحرك ينشأ عن تحركه قوة نابذة، هذه القوة النابذة تكافئ القوة الجاذبة، لأن كل كتلة في الكون تنجذب إلى أختها، وهذا نظام الجاذبية، الترابط بين النجوم أساسه الجاذبية، فلولا حركة الكون لأصبح الكون كله كتلةً واحدة، ولانضم بعضه إلى بعض، فهذه الحركة الدائبة كل نجم يتحرك في مسار مغلق، المسار ليس مفتوحاً، الخطوط غير المغلقة خطوط مفتوحة، لأن الله جلّ جلاله يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ ، بمعنى أن أيَّ كوكب في السماء يتحرك في خط مغلق أي يرجع إلى ما بدأ به. 

إذاً الكون يقترب من مليُون مليون مجرة، وهذا أحدث رقم، وكلما تقدم العلم اكتشف عدداً أكبر من الذي كُتف من قبل، وفي كل مجرة ما يزيد على مليُون مليون كوكب ونجم، وكل هذه الأجرام تتحرك في مسارات مغلقة لينشأ من تحركها قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، هذه النجوم تتحرك في مسارات مغلقة، وفي سرعات دقيقة، لو اختلفت سرعاتها لانجذبت إلى الأرض. 

أرجو أن تتحملونا قليلاً، الموضوع علمي محض، المسار إهليلجي على شكل بيضوي، الأرض تدور حول الشمس في مسار بيضوي، والمسار البيضوي له قطر أصغر وقطر أكبر، فإذا وصلت الأرض إلى القطر الأصغر لابد من أن تنجذب إلى الشمس، ماذا يحصل؟ تزداد سرعتها، من يزيد سرعتها؟ الله جل جلاله، تزداد سرعتها حتى تزداد قوة النبذ حتى تتكافأ مع قوة الجذب القوية، إذاً لو اختلفت السرعة لانجذبت الأرض إلى الشمس، من الذي يُمسك هذه الأرض؟ لنأخذ الأرض مثلاً ولنبتعد عن بقية النجوم.

 

الله تعالى خالق الكون يمسك السماوات والأرض أن تزولا:


أرضنا تسير حول الشمس دورةً في كل عام، وحينما قال الله جلّ جلاله:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

[ سورة البروج ]

أي أن الأرض في كل شهر تقابل برجاً من بروج السماء، وبروج السماء التي تسير بها الأرض اثنا عشر برجاً، ففي دورة الأرض حول الشمس تسير في مسار مغلق، السؤال: إن الله خالق الكون يمسك السماوات والأرض أن تزولا. 

المعنى الأول: الزوال معناه الانحراف، ووقت الظهيرة يكون مع زوال الشمس عن كبد السماء، إذا كانت الشمس في كبد السماء فالصلاة مكروهة كراهةً تحريمية، الصلوات مكروهة في ثلاثة أوقات، عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند توسطها في كبد السماء حتى تزول، وعند اصفرارها حتى تغيب، في أوقات ثلاث الصلوات مكروهة كراهة تحريمية. 

إذاً معنى الزوال، زوال الشمس عن كبد السماء أي انحراف الشمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ .

لو أن الأرض انحرفت عن خط سيرها أية قوة في الأرض تستطيع أن تعيدها إلى مسارها؟ لو أن قطاراً خرج عن سكته أية نملة بإمكانها أن تعيده إلى مساره؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ ما الذي يربط الأرض بالشمس؟ هنا السؤال، الذي يربط الأرض بالشمس قوة الجاذبية التي أشار إليها القرآن في سورة الرعد، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[ سورة الرعد ]

(ترونها) قيدٌ لـ (عمد) أي الأعمدة التي رُفِعَت بها السماوات لا نراها، لكنها موجودة. 

بعض العلماء الأجانب قال: لو أن الشمس كفَّت عن جذب الأرض، أو توقفت عن جذب الأرض لابد لهذه الأرض من أن تزول عن سيرها، أي أن تبتعد عن مسارها، وأن تستمر في متاهات الفضاء الخارجي، ما الذي يعيدها إلى حظيرة الشمس؟ قال: تعيدها قوةٌ، هذه القوة تتمثل في مليون مليون حبل فولاذي، من الفولاذ المضفور، والفولاذ المضفور أمتن العناصر في الكون، أي أمتن شيء في تَحَمّل قوى الشد هو الفولاذ المضفور، فالأرض تحتاج إلى مليون مًليون كبل أو حبل من الفولاذ المضفور، والفولاذ المضفور يجب أن نزرعه على الأرض بينه وبين الشمس، فيجب أن يكون هناك حبل بين الأرض والشمس طوله مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، مليون مًليون حبل مزروعة على وجه الأرض المقابل للشمس، ما الذي يحصل؟ نحن أمام غابة من الحبال الفولاذية، بين كل حبلين مسافة حبل واحد، الزراعة مستحيلة، البناء مستحيل، حتى هذه الغابة تحجب عنا أشعة الشمس، لو أردنا أن نعيد الأرض إلى حظيرة الشمس نحتاج إلى مليون مليون حبل، وكل حبل يقاوم ملايين الأطنان، فربنا عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أيّ نجم لو خرج عن خط سيره لانجذب إلى نجم آخر، وهكذا، إلى أن يجتمع الكون كله في كتلة واحدة، فمن الذي يمسك السماوات والأرض أن تنحرف عن خط سيرها؟ 

 

الكون أوجده الله من عدم لا شيء قبله ولا شيء بعده:


عندنا نقطة دقيقة: الكون أوجده الله من عدم، هذه حقيقة، لا شيء قبله ولا شيء بعده، فالكون ممكنٌ، أوجده الله من عدم، عندنا خلق آخر، غير إيجاده من عدم، الخلق الآخر أن يستمر موجوداً، أن يبقى موجوداً، أن يُخْلَق من عدم خلقاً ولابد من خلق آخر أن يستمر وجوده، فالله سبحانه وتعالى خلق الكون من لا شيء، ثم أراد استمرار الكون، فالاستمرار شيء آخر، قد تنطلق بمركبتك، ولكن أن تبقى بها إلى ما شاء الله، قد تحركها، ولكن أن تبقى تحركها شيء آخر. 

الآية إذاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ أي هل تعرفون من هو الله؟ هو خالق السماوات والأرض، هو رب العالمين، هو القوي، هو القدير، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أي نجم في حركته حول نجم آخر يسير على مسار مغلق، من الذي يبقيه على هذا المسار المغلق؟ هو الله سبحانه وتعالى، لأن الأرض لو خرجت عن مسارها ما الذي يحصل؟ ابتعدت عن الشمس، ودخلت في الظلام الكوني، وأصبحت حرارتها في تقدير بعض العلماء مئتين وسبعين درجة تحت الصفر، وهذا ما يسميه علماء الفيزياء بالصفر المطلق، وفي رأي علماء الفيزياء أن الصفر المطلق تتوقف فيه حركة الذرات، ومتى توقفت حركة الذرات تلاشت المادة، إذاً: إذا زالت الأرض عن مسارها زالت، كم معنى صار لــ (زالت)؟ معنيان؛ المعنى الأول: زال أي انحرف، والمعنى الثاني: زال أي تلاشى وفني. 

فالله جلّ في علاه هو وحده هو وحده الذي يحفظ الأرض وأي كوكب آخر على خط سيره، أو أي نجم آخر على مساره المغلق، فلو لم يكن هناك خالق خلق من عدم ثم أراد أن يستمر هذا الخلق، والخلق مستمر إلى أن يشاء الله، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)﴾

[  سورة يس  ]

إذاً شاءت مشيئة الله أن يَخلق هذا الكون، وأن يَستمر هذا الكون إلى أن يشاء الله زواله، فمادامت الأرض تسير حول الشمس، ما دمتم ترون شمساً كل يوم فالأرض مع الشمس، ولو أنها انحرفت عن خط سيرها لغابت عنا الشمس، ولدخلنا في ظلام دامس، إذاً حينما تستيقظ صباحاً كل يوم على قرص الشمس في الأفق تذكر هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ لأنها لو خرجت لاحتجنا - نظرياً طبعاً- إلى مليون مَليون حبل فولاذي، وكل كبل يتحمل قوى شد مليوني طن، هي قوة جذب الشمس للأرض، قال: كل هذه القوة من أجل أن تجعل الأرض تنحرف بخط منحنٍ كل ثانية ثلاث مليمترات، كل ثانية ثلاث مليمترات يتشكل مسار الأرض المغلق حول الشمس، أما لو أن الشمس كفَّتْ عن جذب الأرض لسارت في مسار مستقيم بعيداً عن خط سيرها السابق، ولدخلت في ظلام دامس، ولأصبحت حرارتها مئتين وسبعين درجة تحت الصفر، ولتوقفت حركة الذرات، ولزالت بمعنى فنيت بعد أن زالت بمعنى انحرفت، فهناك معنيان للآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ أي يمسك كل نجم عن أن ينحرف عن خط سيره، ولو انحرف عن خط سيره لعمّت الفوضى في عالم المجرات والكواكب، ولاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، ولانتهت الحياة. 

أما إذا انحرف كوكب واحد عن خط سيره، وسار في ظلمات الفضاء، وأصبحت حرارته صفراً مطلقاً، مئتان وسبعون تحت الصفر لتوقفت حركة الذرات الداخلية، ولتلاشى الكون، فلذلك هذه الآية كلما تقدم العلم كشف جوانب من عظمة خلق الله عز وجل. 

 

الله تعالى خلق الكون من عدم واستمر الخلق بمشيئته هو:


إذاً: أن تستيقظ كل يوم، وأن ترى الشمس مشرقة، وأن ترى الضحى مشرقاً، ثم تغيب الشمس، ثم تشرق، معنى ذلك أن الأرض لازالت على خط سيرها. 

كلكم منذ أن نشأنا على التقويم الذي يقول لنا: شروق الشمس يوم الثالث والعشرين من أيلول الساعة السادسة والثلاث والعشرين ثانية، كل سنة منذ خمسين سنة أعرف أن التقويم لم يتغير، من خمسين سنة، من مئة سنة، منذ أن خُلِقت الأرض، وإلى أن تتوقف عن حركتها تسير الأرض بهذا الخط المستمر، إذاً: التقويم له معنى كبير، أنت تتنبأ بشروق الشمس قبل مئة عام، بعد مئة عام، في اليوم الثالث والعشرين من أيلول الشمس تشرق الساعة السادسة والثلاث والعشرين ثانية، ما معنى ذلك؟ معنى ذلك: ﴿إنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ خلق الكون من عدم وأراد أن يُخلقه بعد الوجود، هناك خلق من عدم، وخلق بعد الوجود، هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ هل عرفتم من الله؟ هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، هو الذي خَلق من لا شيء، واستمر الخلق بمشيئته هو، الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ المعنى الأول: الزوال، الانحراف، والمعنى الثاني: الفناء، إذا انحرفت الأرض عن خط سيرها زالت، فنيت، لأن في متاهات الفضاء الخارجي درجة الصفر المطلق تنهي حركة الذرات، وإذا انتهت حركة الذرات تلاشت المادة، لأن كل مادة قِوامها حركة الذرات حول النواة، يوجد مجموعة مسارات، مجموعة كهارب إلكترونات تتحرك بسرعات هائلة حول النويّات، فإذا توقفت حركة الذرات تلاشى الكون.


  ليس في الكون جهة يمكنها أن تمسك السماء والأرض:


قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ ..أي إذا انحرفت الأرض أو أي كوكب آخر عن خط سيره المغلق حول الشمس، أو حول أي كوكب آخر ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ..هذه (إنْ) نافية، أي ما أمسكهن أحد بعد الله عز وجل، أهل الأرض جميعاً لو أن الأرض انحرفت، أو لو أن الشمس لم تعد تشرق، لو اجتمعوا بمؤتمرات وقرروا، واتخذوا توصيات، هل بإمكان أهل الأرض كلهم أن يعيدوا الأرض إلى مسارها أو أن يحرفوها عن خط سيرها؟ إذاً من هو الله؟ الذي بيده هذه الأرض، قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[ سورة الزمر ]

لذلك: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هذه الآية إذا قرأها عالم فلكٍ ذابت نفسه خشوعاً لله عز وجل، لأن هذه الآية تتفق مع أحدث الحقائق العلمية المتعلقة بالفلك، عظمة القرآن في كلمة (تزول)، كلمة واحدة بمعنيين، الانحراف يجعلها تفنى، إن انحرفت عن خط سيرها تفنى الأرض، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ليس في الكون كله جهة مهما عَظُمت ومهما قويت بإمكانها أن تعيد الأرض إلى خط سيرها إذا انحرفت، أو أن تخلقها ثانيةً إذا زالت. 

المعنى الأول: أن تعيدها إلى خط سيرها حول الشمس إذا انحرفت، أو أن تخلقها ثانيةً إذا زالت أو فنيت.

 

﴿ حلمُ الله ومغفرتُه: ﴾


﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ ..مع أن الله بيده الأرض، ومن قدرته أن يجعلها تزول، ويرى عباده غارقين في المعاصي، الفساد في البر، والبحر، وفي الجو، الآن الطائرات تعرض أفلاماً أثناء الطيران، وربما كانت هذه الأفلام ماجنة، الفساد ظهر في الأرض، وفي البحر، وفي الجو، المعاصي، الموبقات، أكل المال الحرام، الربا، الزنا، اللواط، الخمر، المخدرات، الميسر، القمار، الفتن، الأرض تعج بالفتن:

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾

[  سورة يونس  ]

الآن قد يسأل سائل: ما دام الله عز وجل بيده هذه الأرض، وفي أية لحظة من قدرته أنه يجعلها تزول، حينما تنحرف عن خط سيرها، أو حينما تتلاشى ذراتها، فلماذا ربنا جل جلاله يرى عباده غارقين في المعاصي والآثام، يناصبونه العداء، يكفرون به، يجحدون نعمه، يعادون أولياءه، وكيف لا يدمرهم الله عز وجل؟ جاء الجواب: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ الإنسان لا يتحمل، الإنسان أحياناً يتمنى أن يسحق أعداءه سحقاً عن آخرهم، والحروب الحديثة الآن حروب إبادة لا يوجد رحمة، والنبي عليه الصلاة والسلام في الطائف جاءه جبريل، وقال: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، فلو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده. النبي كان حليماً، ربنا عز وجل، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً، إذا رأيت هذه المفارقة الأمور كلها بيد الله، والسماوات كلها بيد الله، وأرضنا بيد الله، وحركتها بيد الله، وسرعتها بيد الله. 


للكون نهاية وبداية:


 لو أن الأرض أيها الإخوة لم تزدد سرعتها حينما تقترب من القطر الأصغر لانجذبت نحو الشمس ولاحترقت، والأرض إذا دخلت في الشمس تبخرت في ثانية واحدة، لأن الشمس حرارتها في السطح ستة آلاف درجة، أما في الأعماق فعشرون مليون درجة، نحن عندنا الحديد ينصهر بالألف والخمسمئة، الحجر البازلتي الأسود الذي لا يمكن أن ينصهر، ينصهر في ثلاث آلاف درجة، يصبح سائلاً، الأرض بأكملها إذا دخلت في الشمس ستة آلاف درجة، وفي أعماقها عشرون مليون درجة، تتبخر كلها في ثانية واحدة، فلو أن سرعتها لم تزدد عند القطر الأدنى لانجذبت نحو الشمس، واحترقت، وتلاشت. 

تقول: هذه الطائرة سقطت، ومات جميع ركابها، لو أن الأرض سقطت في الشمس لمات جميع سكان الأرض دفعةً واحدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ﴾ آية دقيقة جداً ما دمت ترى شروق الشمس كل يوم فالأرض على خط سيرها، مادامت لم تنحرف عن خط سيرها فأنت في نعمة وفي بحبوحة، الذي يبقيها على حالها ربنا عز وجل، الذي يبقيها على خط سيرها والذي يبقيها موجودةً، قائمةً، لأن الله عز وجل يخلق ويأمر ببقاء الخلق، والخلق مستمر إلى أن يشاء الله شيئاً آخر، قال تعالى: 

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)﴾

[ سورة التكوير  ]

الكون له نهاية، وله بداية، أما الآن فالكون مستمر، العلماء قالوا: الشمس يرجح أنها متقدة منذ خمسة آلاف مليون عام، والمرجح بحسب نظرياتهم أنها تبقى متّقدة إلى ما بعد خمسة آلاف مليون عام قادمة، هذا معنى القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حليم يصبر على عباده، من أسماء الله الصبور، حليم يتجاوز ذنوب عباده، حليم يعطي لعباده فرصةً لعلهم يتوبون.

 

لكل إنسان أجل ولكل أمة أجل:


لذلك ربنا عز وجل يقول:

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾

[ سورة طه  ]

ربنا عزّ وجل أعطى كل إنسان أجلاً، وأعطى كل أمة أجلاً، وأعطى الكون كله أجلاً، فكل واحد كفرد له أجل، فإذا انتهى أجله لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، كل واحد منا عنده لحظة النهاية، وفي علم الله هذا الإنسان مقرر له عند الله أن يعيش ثلاثة وستين عاماً وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وخمسة أيام وثماني ساعات وأربع دقائق وثلاث ثوان، فكل إنسان له أجل، وكل أمة لها أجل، الأمم تتعاور بالتعبير الفصيح، أي تأتي أمة، وتذهب أمة، كل قرن فيه أمم تتألق، وأمم تذهب، وكل أمة لها أجل، والبشرية كلها لها أجل، وهو قيام الساعة، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(41)﴾ حليم يعطي عباده فرصة، أحياناً مدير مثلاً يضيق ذرعاً بطالب فيفصله، وهناك مدير أشد حلماً، يعطيه فرصةً لعله يرجع، لعله يغير من خطته، لعله يجتهد، لعله يلتزم، لعله يتوب، فكلما ازداد الكمال أعطى الكامل فرصة لمن حوله فلعلهم يرشدون، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ يعطي الفرصة ﴿غَفُورًا﴾ لو أنهم عادوا تائبين لغفر لهم.


سمات الكفار:


﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ .. هؤلاء العرب كفار مكة عاشوا مع اليهود، واليهود أهل كتاب، وقد علم العرب أن اليهود كذَّبوا رسلهم، وقتلوهم، ووقفوا موقفاً لا يليق بهم، فكان العرب يقولون: لو جاءنا رسول لصدقناه، ولآمنا به، ولنصرناه، ولا نكون كاليهود في تكذيبهم رسلهم، وفي قتلهم أنبياءهم، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في حلف الأيمان ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ ويقصدون إحدى الأمم أهل الكتاب الذين جاءت رسلهم بالبينات فكذبوهم وقتلوهم، قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ .. وهو النبي عليه الصلاة والسلام، بدل أن يؤمنوا به، وأن يصدقوه، وأن يعزروه، وأن ينصروه، وأن يتبعوه، وأن يفرحوا به، قال تعالى:﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا(42)﴾ ..وهذه المفارقة سمة من سمات الكافر، يقول لك: إذا الله أعطاني سأفعل كذا وكذا، الله يعطيه، إذا الله هداني لأفعلن، إذا الله أكرمني لأفعلن، يسّوف، وكما تعلمون هلك المسّوفون.

 

كفرُ الاستكبارِ:


لماذا لم يؤمنوا؟ هنا السؤال، جاءهم نذير معه القرآن الكريم، معه دليل على أنه رسول، معه معجزة، لماذا لم يؤمنوا؟ فقال الله عز وجل: ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ ..

 

الكِبْر ينافي العبودية لله:


لذلك الإنسان بين حالين، بين أن يكون عبداً لله وبين أن يستكبر، إذا استكبر فهذا تُغَلّق عليه أبواب السماء، إذا استكبر لم يلج في الإيمان إلا إذا ولج الجمل في سمِّ الخياط، هل يعقل أن يدخل الجمل في سم الخياط؟ في ثقب الإبرة؟ هل هذا تعجيز؟ لا، إنه متكبر كالجمل، ولن يستطيع أن تُفتح له أبواب السماء إلا إذا عاد إلى حجمه الحقيقي، وإلا إذا عاد عبداً لله عز وجل، الذي زادهم نفوراً هو استكبارهم، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر، والإنسان يكون في أكمل أحواله حينما يكون عبداً لله، حينما يعرف أنه فقير، حينما يعرف فقره إلى الله عز وجل، وحاجته إلى الله عز وجل، وأنه جاهل، والله هو الذي يعلم، وأنه فقير، والله هو الغني، وأنه ضعيف، والله هو القوي، إذا عرفت حدك جاءتك الخيرات، وجاءتك الإمدادات، وجاءك الدعم الإلهي، وجاءك التوفيق، وجاءك النصر، وجاءك التيسير، أما إذا استكبرت فعندئذٍ تُغْلق أبواب السماء في وجه الإنسان، قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ﴾ قد يسأل سائل: لماذا يعفو الله عن ذنوب كثيرة أما الكِبر فلا يقبله ولو كان طفيفاً؟ عبدي إذا بلغت ذنوبك عنان السماء غفرت لك ولا أبالي، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[ سورة الزمر ]

لماذا يغفر الله كل الذنوب ومعظم الذنوب مهما كثرت ولا يقبل ذرة كِبر؟ قيل: لأن الكبر يتناقض مع عبودية الإنسان، إذا كان هناك طبخة يمكن أن يقل فيها مقدار اللحم، أو يزداد، بعض مكونات هذا الطعام ممكن أن تزداد أو تقل، يتفاوت الطعم، لكن هذا الطعام لا يقبل نقطة واحدة من البترول، نقطة واحدة تفسد كلها، هناك أشياء تقبل الزيادة وتقبل النقصان، يتفاوت الطعم، أما أن توضع مع الطعام مادة بترولية فيفسد الطعام كليّاً، ويلقى في سلة المهملات، الإنسان قد يخطئ، لكن مادام معترفاً بذنبه، مادام مستغفراً، مادام خاضعاً لله، مادام تائباً، ما دام نادماً، ما دام مبتهلاً، ما دام يرجو الله عز وجل، فالله عز وجل يقبله، ويعفو عنه:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[ سورة الأنفال  ]

أما المتكبر تستنكف نفسه أن يستغفر الله عز وجل، تستنكف نفسه أن يسجد لله عز وجل، تستنكف نفسه أن يخضع للحق، تستنكف نفسه أن يأتمر بأمر الله، عندئذ يُرْفض، الذي حمل بني إسرائيل على تكذيب أنبيائهم، ورد دعواتهم استكباراً في الأرض، ومع استكبارهم ومَكْر السَّيِّئِ.

 

المتكبِّر ماكر وصاحب خديعةٍ:


المكر خطة يتبعها الماكر ليصرف خصمه عن قصده، هذا المكر، الله عز وجل قال:

﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)﴾

[  سورة الأنفال  ]

الله عز وجل مكره كله خير، لماذا؟ لأنه قد يصرف عبده عن طريق الشر، فإذا صرف الله عبده عن طريق الشر بخطة حكيمة، الله قد مكر به لكن مكر الله عز وجل يعود بالخير على عباده، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لكن الإنسان الكافر البعيد عن الله عز وجل يَمكر ليصرف الآخرين عن طريق الخير، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)﴾

[ سورة آل عمران  ]

 

الماكرون الذين مكروا مكر السوء سيُعذبون بمكرهم إلى أبد الآبدين:


هؤلاء: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ ..اسمعوا لهذه الفقرة من الآية: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ هذا كلام لو صدقناه، لو أدركنا أنه قطعي الثبوت والدلالة، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ يتوقف الماكر فوراً عن أي مكر، لماذا؟ الآن هناك بعض الأمم تمكر ببعض الأمم الأخرى، الأمم الماكرة تأتيها أمراض وانحرافات وتمزقات داخلية أكثر من الأمم التي مكرت بها: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ المكر يدور ويدور، فقد يسأل سائل: حينما يمكر إنسان بإنسان هذا الذي مُكِر به ألا يناله السوء؟ نقول: نعم، ولكن هذا السوء ينتهي بالموت، أما الذي مَكَر فيعذب بمكره إلى أبد الآبدين، المكر السيئ أحياناً ترى دولاً ضعيفة ودولاً سيئة، شعوباً ضعيفة جداً يُمكر بها، بخيراتها، بثرواتها، بمقدراتها، يبقيها الآخرون جاهلة، يبقيها الآخرون ضعيفة، هؤلاء تضرروا، نقول: هؤلاء الماكرون الذين مكروا مكر السوء سيعذبون بمكرهم إلى أبد الآبدين، وهؤلاء الذين مُكِر بهم، وتحملوا بعض المتاعب من مَكْر الآخرين بهم هؤلاء حينما تنتهي حياتهم تنتهي آثار المكر الذي لحق بهم، وتبقى حياتهم الأبدية في منجاة مما مكر بهم، لكن الشيء الدقيق: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ كلام خالق الكون، أي عملية مكر أو خداع::

﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾

[ سورة الفتح ]

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ لذلك قيل: فاعل الخير خير من الخير، لأن الخير مهما كان عظيماً ينتهي مع نهاية العالم، لكن الذي فعل الخير يسعد بفعله إلى أبد الآبدين، إذاً: فاعل الخير خير من الخير نفسه، وفاعل الشر شر من الشر، الذي أمر بإلقاء قنبلة على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية مضى على إلقائها أعتقد أكثر من مئة عاماً، الذين ماتوا وقتها لو أن هذه القنبلة لم تلقَ عليهم لابد من أن يموتوا الآن، انتهت أعمارهم، إذاً أثر هذه القنبلة انتهى، أما الذي أمر بإلقائها ليدمر ثلاثمئة ألف إنسان في ثانية واحدة، هذا يشقى بقراره إلى أبد الآبدين، إذاً: فاعل الشر شر من الشر، وفاعل الخير خير من الخير، الإنسان يسعد إلى الأبد بأفعاله الصالحة قد ويشقى إلى الأبد بأفعاله السيئة، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِه﴾ وأعتقد أنكم إذا  سألتم، أو إذا اطّلعتم، أو إذا تتبعتم لوجدتم أن حياتنا طافحة بقصص تؤكد هذه الآية، لذلك ورد في بعض الأدعية: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم" ، الكافر يفكر، ويخطط، ويشتغل، وبسبب تخطيطه وتدبيره ومكره يُدَمر، اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ .

أنا أشعر لو أن الإنسان أيقن بهذه الآية لا يستطيع أن يمكر بإنسان، لأن آثار المكر سوف تعود عليه شاء أم أبى، وأنا موقن أنه لو تتبعنا كل ماكر لرأيناه يدمر نفسه بهذا المكر، لكن لو رأيته إلى حين متفوقاً، مستعلياً، يتيه بمكره، لقد فعلت كذا، وفعلت كذا، هذا إلى حين، فإذا شُدّ الحبل أصبح في قبضة الله عز وجل، ودفع ثمن مكره غالياً.

 يجب أن تؤمن أيها الأخ الكريم أن زوال الكون أهون عند الله من أن يُضَيّع مؤمناً، ومن أن يُقَوي ماكراً، الماكر مدمر، لذلك الآية الدقيقة:

﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

[  سورة الأعراف  ]

 

كل ماكر لا يَحيق مكره إلا به:


﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً(43)﴾ ..هذه الثوابت، المؤمن يوجد في حياته ثوابت، أي سنة الله في خلقه أن كل ماكر يَحيق مكره به، وأن كل مخادع يَخدع نفسه، وأن كل ناكث ينكث على نفسه، وأن كل منافق يدفع ثمن نفاقه هو، قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾

[ سورة الجاثية  ]

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)﴾

[ سورة الروم  ]

هذا إذا أيقنا بذلك توقف الإنسان فوراً عن كل مكر، وعن كل سيئة، وعن كل تدبير، وعن كل مخادعة، وعن كل نقض لعهد الله عز وجل.

 

لا تُبدَّل سننُ الله:


العلماء قالوا: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾..أي أن هذا القانون لا يبدل، من شأن الناس أن يبدلوا القوانين، يعدلوها، يعطلوها، أحياناً يعطل هذا القانون، يوقف التنفيذ إلى إشعار آخر، تُعدل بعض مواده، أحياناً لا يُعْمل به يتغاضون عنه، إما أن يعطل، وإما أن يُعَدل، وإما أن يُبدل، وإما أن يُفَسر تفسيراً ما أراده واضعه، لكن الأمر يختلف مع قوانين الله عز وجل، فقوانين الله عز وجل أو سنن الله عز وجل لن تجد لها تبديلاً، أنت كمؤمن، تعاملك مع خالق، تعاملك مع إله، تعاملك مع رب، هذا الرب الخالق الإله، هذا الرب قوانينه ثابتة، مستمرة، لا تتبدل بتبدل الأيام، الشهور، الأمكنة، الأزمنة، أينما ذهبت في أي عصر، وفي أي مصر، في أي إقليم، قديماً، حديثاً، في القرى، في الأرياف، في دول متقدمة، متأخرة، مع العلم، مع الجهل، قوانين الله عز وجل نافذة لا يوقف العمل بها إطلاقاً، أي الماكر يحيق مكره به، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ المذنب يعاقب، لن يعاقب المحسن مكان المذنب، فهذا القانون لا يُعطل، ولا يتحول إلى جهة بريئة، القوانين الصارمة التي قننها الله عز وجل لا يعطلها، ولا يحولها إلى جهات بريئة لا تستحقها، هناك عدالة مطلقة في السماء، سبحان الله! هذه لن للمستقبل أيضاً، لن تفيد تأبيد النفي، أيها الإنسان لن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد أيها الإنسان لسنة الله تحويلاً، فالإنسان العاقل إذا قرأ القرآن، وقرأ مثل هذه الآية يطمئن.

 

أمثلة لقوانين الله وسننه:


مثلاً: هناك بعض الآيات تأخذ طابع القانون:

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾

[ سورة يونس  ]

هذا قانون. 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[  سورة النحل  ]

هذا قانون ثانٍ. 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

[  سورة طه  ]

هذا قانون ثالث. 

﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[ سورة يوسف ]

هذا قانون رابع، لابد للخائن من أن يُفْتضح، إن الله لا يهدي كيد الخائنين.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾

[  سورة الحج  ]

فإذا قرأ الإنسان القرآن، وتتبع القوانين التي وردت فيه، هذه القوانين هي سنن الله عز وجل لن تُبَدل، ولن تُحَول، فالسعيد من صدقها، وعمل بها فنجا، والشقي من لم يصدقها، كذبها، ولم يعمل بها فهلك. 

الملخص: هذه تعليمات الصانع، هذه قوانين الله عز وجل، هذه سننه، هذه الثوابت، كيف عندنا قاعدة مثلاً: المعادن تتمدد بالحرارة، هذا قانون فيزيائي، فأي مهندس لم يضع فواصل تمدد في أي بناء، البناء ينهار، قانون ثابت، فإما أن تصدقه، وإما أن تأخذ به، فيسلم بناؤك، وإما أن تكذبه، ولا تأخذ به، فينهار بناؤك، وعلى هذه الشاكلة قوانين ربنا كلها ثابتة.

 

البشر نوعان:


لذلك البشر نوعان: موصول بالله، محسن، منضبط بأمر الله ونهيه، ناجٍ، سعيد؛  منقطع، متفلت من قوانين الله، مسيء، شقي في الدنيا والآخرة، وليس هناك شخص ثالث، اتصل بالله وانضبط بشرعه أحسن إلى خلقه تسلم وتسعد، ابتعد عنه تفلت من أوامره أسئ إلى الآخرين تشقى في الدنيا والآخرة، أي يجب أن نأخذ هذه الآية مأخذاً كافياً: ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ لو ذهبت إلى بلاد الغرب، إلى بلاد الشرق بعد مئة عام، بعد ألف عام، في أي حال؛ لذلك كنت أضرب مثلاً دقيقاً، رجل كذب قانون السقوط، وقال: هذا قانون غير صحيح، هذا قانون وضعه دجال، فأنا سأهبط من الطائرة بلا مظلة، لأن ذاك القانون ليس له أصل، طبعاً المظلة مبنية على قانون السقوط، على حجز كمية هواء كبيرة جداً تتناسب مع وزن الإنسان، فينزل بتباطؤ، فإذا رجل كذب هذا القانون وألقى بنفسه من الطائرة من دون مظلة، إذا كذب بهذا القانون فهل يتوقف مفعول هذا القانون؟ لا، تدق رقبته، تكذيبك بالقانون لا يُعَطِل مفعوله، وكل إنسان كذب بأوامر الله عز و جل، قال لك: هذا غضّ البصر كلام لا يتناسب مع العصر، أنت كذبت ، لو خالفت هذا القانون لوجدت الشقاء الزوجي في بيتك، يمحق الله الربا قانون، لابد من محق المال، يربي الصدقات، لابد من أن ينمو المال الذي فيه صدقات.

أتمنى على إخواننا الكرام أن يقرؤوا القرآن، وينتبهوا للقوانين:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾

[  سورة الإسراء ]

هذا قانون، قال تعالى:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

[  سورة طه  ]

كلما وجدت آية تأخذ طابع القانون، طابع السنة الثابتة، طابع المبدأ، طابع الثابت، التقطتها، واكتبها، وانتبه، كلام خالق الكون، كلام من بيده كل شيء.

 

الله تعالى علمه يطولنا وقدرته تطولنا:


﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ..هذه الأمم، إذا زار إنسان مصر، ورأى الأهرامات، ودخل إليها، ودخل إلى مقابر الفراعنة يعلم من هم الفراعنة، أهرام جُلِبت أحجارها من أسوان، ونقلت من نهر النيل إلى مسافة تزيد عن ستة عشر كيلو متراً، وكل حجر حجمه نصف هذا المسجد، كيف حُمِل؟ وكيف رُفِع؟ وكيف أصبح هذا الهرم؟ وكيف أن الشمس تدخله في يوم واحد؟ إذا أحضرت كل مهندسي العالم، هل يمكن أن تصنع نافذة لبناء بحسب حركة الشمس أن تدخل الشمس إلى هذا البناء في يوم واحد من العام كله؟ هناك أشياء في الحضارات السابقة تكاد تكون معجزة، ومع ذلك أهلكهم الله عز وجل، ودمرهم، وجعلهم أحاديث، طبعاً كل أمة لم تؤمن بالله عز وجل مهما كانت قوية تدمر، أو ما رأيتم كيف أن أمماً كبرى وعظمى دُمِّرت في سنتين، وانتهت، يقول لك: كانت تسمى من قبل كذا، الله عز وجل يدمر أمماً، يُدمر شعوباً، يدمر أقوى كيان، ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا(44)﴾ أي علمه يطولك، وقدرته تطولك، والإنسان إذا أيقن أن علم الله يطوله، وأن قدرته تطوله لابد من أن يستقيم.

 

الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف:


﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنت لديك أجل  لك أن تؤمن، لك ألا تؤمن، لك أن تكفر، لك أن تشرك، لك أن تجحد، لك أن تلحد، لك أن تستقيم، لك أن تحسن، لك أن تصلي، لك ألا تصلي، أنت مخير، لك عند الله هذا الأجل، لكن حينما ينتهي الأجل يبدأ الجزاء، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ أنت الآن في دار عمل، وسوف تأتي دار الجزاء، يوجد دار تكليف، ثم دار تشريف، لذلك:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾

[ سورة الفاتحة ]

انتهى الخيار، وبدأ الجزاء، ونرجو الله سبحانه و تعالى أن نعرف حقيقة هذه الدنيا، وأن نعرف سرّ وجودنا فيها، وأن نعمل صالحاً يرضي الله عز وجل.

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور