الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الله سبحانه وتعالى رب العالمين:
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الثامن عشر من دروس العقيدة والإعجاز، وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الشهوة،

وإلى الموضوع الفرعي وهو العدالة والضبط، واليوم ننتقل إلى موضوع آخر متعلق بالشهوة، ذلك إن الإنسان حينما يتحرك في الحياة حركة بدافع من شهواته بخلاف منهج الله ما الذي يكون؟ أول حقيقة أن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، معنى رب العالمين أي يربّينا، يربّي أجسامنا، ويربّي نفوسنا، من أجل أن تتضح هذه الحقيقة لابد من مثل؛ مدير مؤسسة عَيّن موظفًا تحت التجريب لستة أشهر، مهمة هذا المدير أن يُحصي على هذا الموظف أخطاءه، فإذا بلغت حداً لا يُحتمل صرفه، مهمته إحصاء أخطائه، لو أن هذا الموظف هو ابن صاحب المؤسسة القضيةُ قضية إحصاء أخطاء؟ قضية تربية، عند كل خطأ ينبهه، يبين له، ينصحه، يرشده، يوجهه، بدافع من رحمة الأب، وحرصه على نجاح ابنه في هذه الوظيفة يتابع حركته، يدقق في أخطائه، يُوجِّه، يبصر، ينصح، يُرشد، أحياناً يعاقب، أحياناً يُشدد، كل هذه المتابعة، كل هذا التشديد رحمة بهذا الموظف الناشئ لينجح في عمله.
لذلك الله عز وجل رب العالمين، خلقنا ليرحمنا، إذاً هذه الشهوات كما قلنا في درس سابق حيادية، إما أنها سلم نرقى بها إلى أعلى عليين، أو أنها دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين، هي حيادية، بل لأن الإنسان مخير كل شهواته، وكل حظوظه، وكل خصائصه حيادية، سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها.
الآن نحن أمام حالة، إنسان تحرك بدافع من شهواته بخلاف منهج الله، إما في كسب ماله، أو في علاقته بالنساء، ما الذي يحصل؟ الله عز وجل رب العالمين، النقطة الدقيقة أنه لابد من لفت نظر، قد يكون هذا اللفت النظر كلاماً يسمعه من صديق، أو كلاماً يسمعه من مدرِّس، أو من شيخه، وقد يكون هذا اللفت لفت النظر مصيبة تحل به، ولها علاقة بنوع خطئه، العلاقة بين المصيبة وبين الخطأ تعليم من الله أن يا عبدي هذه الشدة من أجل كذا، أي لابد من أن يتابعه الله عز وجل.
المتابعة الربانية رحمة بالعبد:
بالمناسبة أنت حينما تشعر أن الله يتابعك هذا فضل من الله كبير، حينما تشعر أن الله سيحاسبك، سوف يلفت نظرك بنصيحة، بشدة، بشبح مصيبة، بتضييق، بإفقار، بموقف محرج جداً يضعك فيه،

هذا يعني أنك في العناية المشددة، هذا يعني أنه يمكن أن تشفى من هذا الخطأ، هذا يعني أن المرض الذي أنت فيه قابل للشفاء، هذا يعني أنه يمكن أن تعود صحيحاً معافى كما ينبغي أن تكون، إذاً حينما تشعر أن الله يتابعك، وأن الله يحاسبك، وأن الله يلفت نظرك، وأن الله يؤدبك، وأن الله يُضيق عليك، وأنه يلقي في روعك أن هذه الشدة من أجل كذا، إما إلقاء في الروع، أو شرح من إنسان تسأله، أو من علاقة متينة بين المصيبة وبين الذنب الذي اقترفه الإنسان.
أي رجل استحقت عليه زكاة ماله، زوجته ضغطت عليه، وضيّقت عليه، وتمنت عليه أن يُجدد أثاث البيت فاستجاب لها، وجدد أثاث البيت بالمبلغ الذي كان يمكن أن يكون زكاة، والزكاة فرض حتمي، يقول لي هذا الإنسان: أصاب مركبته حادث، مجموع كلفة إصلاح هذا الحادث يساوي تماماً المبلغ الذي كان عليه أن يدفعه زكاة، ولم يدفعه، تشابهُ المبلغين رسالة من الله أن يا عبدي لقد أخطأت، وأنا لَفَتّ نظرك بهذا الحادث، إذاً قال تعالى:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
بل إن الله سبحانه وتعالى يقول ويخاطب بقوله المؤمنين:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾
المصيبة ضمان لسلامة المؤمن:
أيها الإخوة؛
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾
الآن قد يسأل سائل ما فلسفة المصيبة في الإسلام؟ بشكل مُبسط واضح لماذا صُنِعت السيارة؟ الجواب: من أجل أن تسير، بتعبير منطقي علة صنعها السير، صُنِعت السيارة من أجل أن تسير، أي إن علة صنعها هو السير، ولماذا وُضِع فيها المكبح؟ المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنع السيارة، السيارة صُنِعت من أجل أن تسير، والمكبح يوقفها، هناك تناقض بين علة صنع السيارة وبين حقيقة المكبح، المكبح يوقفها، وهي صنعت من أجل أن تسير، ألا ترى معي أن أخطر جهاز في المركبة هو المكبح، لأنه ضمان لسلامتها، وتأكد ولا أبالغ أن كل أنواع المصائب في الدنيا هي ضمان لسلامة المؤمن، وفي دروس أخرى لابد من شرح معنى المصيبة.
المصيبة التي تصيب الشاردين، والمنحرفين، والعتاة، والمجرمين مصيبة قصم أو ردع، بينما المصائب التي تصيب المؤمنين هي مصائب دفع أو رفع،

أما مصائب الأنبياء مصائب كشف لكمالات كامنة فيهم، قصم وردع، ودفع ورفع، وكشف، إذاً كما أن المكبح من أخطر الأجهزة في المركبة لأنه ضمان لسلامتها، كذلك المصائب مع أنها مؤلمة، مزعجة، بل إن الله سبحانه وتعالى سمّى في كتابه الكريم المصائب نِعَماً باطنة.
﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)﴾
وحينما تدخل إلى مسجد، وترى في المسجد آلافاً مُؤَلّفة، اعتقد يقيناً أن عدداً كبيراً منهم ساقه الله إلى بابه بعد معالجة حكيمة، وحينما يكشف الله لك يوم القيامة عن سرّ ما ساقه لك من متاعب في الدنيا يجب أن تذوب محبة لله على كل ما ساقه لك، أنت مخير فيما كُلفت، لكنك مسير في كونك ذكراً أو أنثى، مسير في أمك وأبيك، مسير في مكان ولادتك، مسير في زمن ولادتك، مسير في قِوامك وشكلك، مسير في قدراتك، هذه لصالحك، ويوم القيامة يُكشف عن سرّ القضاء والقدر، ليس في إمكانك أبدع مما أعطاك، كمال مطلق لوضعك، إذاً هذه الشدائد، وهذه المتاعب، وهذا التضييق للمؤمن تربية حكيمة من الله عز وجل.
بطولة المؤمن أن يفهم على الله سرَّ أفعاله معه:
حينما تقرؤون في سورة القلم قصة أصحاب الجنة الذين:
﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)﴾
لا يطعمون أحداً من الفقراء من غلّات بساتينهم، الله عز وجل قال:
﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)﴾

بالتعبير المعاصر أصاب البساتين موجة صقيع:
﴿ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾
كأنها بساتين قد قطفت ثمارها:
﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)﴾
ليست هذه بساتيننا، ثم تأكدوا أنها هي، قالوا:
﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)﴾
الآن المغزى، الشاهد:
﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾
أي يا عبادي جميع أنواع الشدائد التي أسوقها لكم في الدنيا من هذا النوع، رسالة، لفت نظر، انتبه، إذاً حينما ينحرف الإنسان عن منهج الله، أو حينما يتحرك بدافع من شهواته بخلاف منهج الله، الله عز وجل لابد من أن يربيه، لابد من أن يؤدبه، لابد من أن يلفت نظره، وبطولة المؤمن أن يفهم على الله سرَّ أفعاله معه، قال تعالى:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾
لا يوجد معنى أيضاً لأي مصيبة
﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ في الحديث الصحيح القدسي:
(( عن أبي ذر رضي الله عنه: يا عِبادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ، وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا في صَعيدٍ وَاحدٍ، فَسألُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مِنْهُمْ ما سألَ لَمْ يَنْقُصْ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً إِلاَّ كما يَنْقُصُ البَحْرُ أنْ يُغْمَسَ المِخْيَطُ فِيه غَمْسةً وَاحدَةً، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ. ))
كلام واضح كالشمس: ((فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ)) هذه حقائق، آيات قرآنية، أحاديث صحيحة، توجيهات نبوية، المصائب لها حِكم بليغة، المصائب لها حِكم عميقة، المصائب في خدمة الإنسان، المصائب نِعم باطنة، طبعاً هذا للمؤمن.
اتباع الهوى وفق شرع الله جائز:
أيها الإخوة الكرام؛ ماذا ينبغي أن يكون حينما يتحرك الإنسان في دنياه بعيداً عن منهج ربه؟ لكن بالمناسبة ينبغي أن تعلموا علم اليقين أن الذي يتحرك بدافع من شهوته وفق منهج الله لا شيء عليه، الدليل:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
المعنى المخالف أي أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، معنى ذلك أنه ليس في الإسلام حرمان، الإسلام دين الفطرة، الإسلام دين الواقعية، الإسلام راعى في الإنسان حاجاته وقيمه، راعى جسمه وروحه، راعى الدنيا والآخرة، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً، بل يوجد تنظيم، أي ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها.
كيف يُعامَل من شرد عن منهج الله؟
أيها الإخوة؛ الآن الإله العظيم، الرب الرحيم، المربي الكريم، كيف يُعامِل عبداً شرد عن منهج الله؟ الحقيقة من خلال الكتاب والسنة هناك إجراءات بحقّ هذا الشارد.
أول إجراء بحقه الدعوة البيانية، وأنت صحيح معافىً، في بيتك، بين أهلك، بين أولادك، في عملك لا يوجد مشكلة، لا يوجد ضغط، لا يوجد شيء،

هناك من ينصحك، هناك من يبين لك، إما من خلال خطبة، أو من خلال درس، أو من خلال كتاب، أو من خلال شريط، أو من خلال نصيحة، أو من خلال محاضرة، أو من خلال ندوة، الدعوة البيانية، الهدى البياني، كلام، وأرقى علاج إلهي، وأرقى إجراء إلهي لهذا الذي شرد عن منهج الله هو الدعوة البيانية، وأكمل موقف يقفه الإنسان من خلال هذا البيان الذي ساقه الله إليك أن تستجيب.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾
دعوة إلى الهدى، نصيحة إلهية.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)﴾
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
أي أسعد إنسان ممن شرد عن الله عز وجل حينما يأتيه الهدى البياني، النصح الرباني، القرآن الكريم، البيان الإلهي، الحديث النبوي، خطبة، محاضرة، درس، نصيحة، مناظرة، ندوة، يصحو، يا رب عدت إليك، هذا أكمل شيء، وأنت صحيح، في بيتك، وأولادك أمامك، وأهلك معك، وفي عملك، كرامتك موفورة، صحتك موفورة، جاءت نصيحة ربانية من خلال قرآن، أو سنة، أو عالم، أو داعية، أو كتاب، أو ندوة، أو خطبة...إلخ، الدعوة البيانية، فإن لم يستجب الإنسان لهذه الدعوة، وبقي مقيماً على معصيته، مؤثراً شهوته، أصم أذنيه عن نداء الله عز وجل، لم يرعه، لم يستجب، غلبته شهوته.
﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)﴾
ما الذي يحصل؟ قال: أول مرحلة مرحلة لطيفة، ناعمة، سلمية، دعوة بيانية، نصيحة، وتخلّق بهذا الخلق، قبل أن تُعاقِب، قبل أن تضرب، قبل أن تقطع، قبل أن تصب جام غضبك انصح، بيّن، وضح.
إن لم يستجب الإنسان للدعوة البيانية هناك تأديب تربوي هنا، دخلنا في مرحلة أصعب، أحياناً يقول الطبيب للمريض:

معك قرحة في المعدة، أو معك التهاب حاد في المعدة، هناك طريقان؛ إما أن تتبع حمية قاسية جداً لا تحتاج معها إلى عمل جراحي، حمية قاسية جداً لشهر بكامله، على الحليب فقط، هذا الالتهاب يزول، وإن آثرت أن تأكل ما تشتهي فلابد من عمل جراحي، القضية بيدك، لذلك الآية الكريمة:
﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)﴾
﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من أمراض، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الله عز وجل ربّ رحيم، ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ إن ذكرت أو لم تذكر، إن اعترفت أو لم تعترف، إن أخفيت أو أظهرت واحد، ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ اختر أيها المؤمن ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ بالتوبة والاستقامة والاستجابة، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء﴾ بالتأديب التربوي، إذاً أول مرحلة الهدى البياني، الدعوة البيانية، إن لم تستجب تخضع لمعالجة أشد ألا وهي التأديب التربوي، اعتقد يقيناً أن الله يحبك، وأن الله لن يدعك تفعل ما تشاء من دون أن يربيك، اعلم علم اليقين إما أن تأتيه طائعاً، أو أن تأتيه مضطراً.
مرة شخص أراد أن يسألني سؤالاً عن جوهر الدعوة إلى الله التي أمارسها، أجبته إجابة فيها دعابة، قلت له: ملخص الدعوة، ملخص ملخص الملخص بالتعبير الدارج طبعاً إمّا أن تأتيه ركضاً، أو يأتي بك ركضاً، إما أن تأتيه طائعاً بمبادرة منك، بصلح معه، بتوبة، بإنابة، بندم، أو الله عز وجل متكفل أن يأتي بك إليه مضطراً.
قال لي أحدهم: كان هناك موسم كبير جداً جاءته أرباح طائلة-القصة بالسبعينات-قال لي: وأردت أن أذهب إلى بلاد بعيدة من دون زوجتي، حتى أُنفِق مبلغاً فلكياً على الملذات والشهوات، هكذا خطط، وصل إلى هناك شعر بآلام في ظهره، دخل إلى المستشفى، كان التشخيص ورماً في النخاع الشوكي، قطع رحلته، وعاد إلى الشام، من مسجد إلى مسجد، ومن طبيب إلى طبيب، وقد شفاه الله عز وجل، أي إمّا أن تأتيه ركضاً، أو يأتي بك ركضاً، الله عز وجل حكيم، أي كل واحد فيه نقطة ضعف، أحياناً إنسان غني كبير المال ليس له قيمة عنده، لكن كرامته لها قيمة كبيرة، كل واحد يعالجه الله عز وجل معالجة يأتي به إليه، لأنه يحبنا، لأنه خلقنا ليسعدنا، لأنه خلقنا ليرحمنا، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.
التطهير في الدنيا معالجات إلهية حكيمة:
والله أيها الإخوة؛ يوم القيامة حينما تُكشف الحقائق يجب على الإنسان المؤمن أن يذوب محبة لله عز وجل على ما ساقه له من شدائد، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، كنت أقول لكم دائماً: الألماس أصله فحم، لكن هذا الفحم جاءته ضغوط وحرارة قلبته إلى ألماس، وهناك ألماسة باستنبول ثمنها مئة وخمسون مليون دولار، لكن قطعة فحم بحجمها ما ثمنها؟ يمكن خمسة قروش، الفرق بينهما أن الفحم حينما تأتيه الضغوط يصبح ألماساً، ولن تدخل الجنة إلا إذا كنت طاهراً، والتطهير في الدنيا معالجات إلهية حكيمة، لذلك ارضَ عن الله.

إنسان يطوف حول الكعبة قال: يا رب هل أنت راضٍ عني؟ وراءه الإمام الشافعي، قال له: يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: سبحان الله! من أنت؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه! قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، قالوا: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، بطولتك إذا ساق الله لك مصيبة لا سمح الله ولا قدر أن تقول: الحمد لله رب العالمين، لأن الله عز وجل أفعاله كلها رحيمة، وكلها حكيمة، وكلها عادلة، إذاً إمّا أن تستجيب لله إذا دعاك إليه، وإلا تخضع للتأديب التربوي، يسوق من الشدة ما يحملك على طاعة الله، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)﴾
أي تابوا فقبِل الله توبتهم، الآية الأخرى:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ في بعض معاني هذه الآية أنه ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، فالبطولة أن تأتيه قبل أن تأتي الشدائد، أن تصلي قبل المصيبة، أن تتجه إليه وأنت صحيح شحيح، أن تتجه إليه وأنت قوي، أن تتجه إليه وأنت غني، أن تتجه إليه ولا تشكو شيئاً، فإن لم يكن كذلك هناك التأديب التربوي، التأديب التربوي أهم شيء فيه التوبة إلى الله، دعاك دعوة بيانية ينبغي أن تستجيب، الآن أخضعك للتأديب التربوي ينبغي أن تتوب، فإن جاء التأديب التربوي ولم تتب يوجد عندنا حل ثالث.
الحل الثالث عدد الناجين به قليل، يُخضعك إلى ما يسمى بالإكرام الاستدراجي، يعطيك الدنيا بمالها، بمكانتها بمباهجها، بشهواتها، لعلك تستحي، لعلك تتوب، لعلك تشكر، المرحلة التالية الإكرام الاستدراجي، الموقف الكامل فيه الشكر، الشكر ثم التوبة.
إن بيّن لك ولم تستجب، وأدبك ولم تتب، وأكرمك ولم تشكر،

نعوذ بالله من المرحلة الرابعة، يأتي القصم.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
أيها الإخوة؛ هذه مراحل، أول مرحلة الهدى البياني، الموقف الكامل منها أن تستجيب لله لأنه دعاك إلى ما يُحييك، المرحلة الثانية التأديب التربوي، الموقف الكامل أن تتوب، المرحلة الثالثة الإكرام الاستدراجي، الموقف الكامل أن تشكر، المرحلة الرابعة يأتي القصم.
إياك أن تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود:
أخطر شيء بحياة الإنسان أن يصل إلى الله بطريق مسدود، كيف؟ أي إنسان ارتكب جريمة قتل-لا سمح الله ولا قدر-سيق إلى السجن، خضع لمحكمة الجنايات، حُكِم عليه بالإعدام، نُقل الحكم إلى التمييز، إلى محكمة النقض،

محكمة النقض صدقت حكم محكمة الجنايات، رُفِع الحكم إلى رئاسة الجمهورية ليصدق عليه، وصدَّق عليه رئيس الجمهورية، وحُدد يوم معين لتنفيذ حكم الإعدام، هذا الإنسان قبل أن يُعدَم يحب أن يضحك يضحك، لابد من أن يعدم، يحب أن يبكي ابكِ، يحب أن يتوسل توسل، لابد من تنفيذ هذا الحكم، نقول: هذا الإنسان مشى في طريق مسدود.
أنا أقول أنصح نفسي وأنصح من حولي: إياك ثم إياك ثم إياك أن تمشي في طريق مسدود، أي أن تبالغ في إيقاع الأذى بالناس عندئذٍ يأتي القصم، يأتي الانتقام، دَع للصلح مكاناً، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، اسأل نفسك: هل عملي يُرضي الله؟ هل هناك ظلم أقترفه؟ هل أبني مجدي على أنقاض الآخرين؟ هل أبني حياتي على موتهم؟ هل أبني عزي على ذلهم؟ هل أبني غناي على فقرهم؟ ماذا أفعل؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
التعلّم بالنص سبيل الإنسان الذكي والتعلم بالواقع من سبل الحيوان:
من الدعوة البيانية، إلى التأديب التربوي، إلى الإكرام الاستدراجي، إلى القصم، فالبطولة أن تبقى في أول مرحلة،

تستمع وتستجيب، وهذا أكمل شيء بالإنسان، والإنسان كلما ارتفع مكانه تعلم بالنص، ولم يتعلم بالواقع، أي إذا قرأ الإنسان موضوعاً دقيقاً عن أخطار التدخين، وترك الدخان لهذا الموضوع، أو لحكم شرعي، هذا يكون أعلى مستوى، أما حينما يدع التدخين بعد الورم الخبيث يكون قد تعامل لا بعقله بل تعامل بأحاسيسه، أوضح مثل؛ إنسان ركب مركبته ليسافر إلى حمص، في أيام الشتاء، خرج من دمشق رأى لوحة كُتِب عليها: الطريق إلى حمص مغلقة بسبب تراكم الثلوج في النبك، مقصده حمص، وله مبلغ كبير جداً في حمص، الطريق مغلق، هو الآن في ظاهر دمشق، ماذا يفعل؟ يعود، ما الذي حكَمه؟ اللوحة، أربع كلمات أعطته قرارًا بالعودة، لو أن دابة تمشي أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكم الدابة؟ الواقع، حكم العاقل النص، وحكم الدابة الواقع.
فأنت اسأل نفسك سؤالاً محرجاً: ما الذي يحكمك؟ نصوص القرآن والسنة أم الواقع؟ الذي يخاف بعقله إنسان راقٍ جداً، والذي يخاف بأحاسيسه إنسان غبي جداً، فكلما ارتقى مقامك تخاف بعقلك، تخاف من النص، تخاف من تحذير الله لك، تخاف من وعيد الله، وكلما هبط مستوى الإنسان، وجاءه قضاء الله، جاءته المصيبة عندئذٍ يقول:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)﴾
خيار الإنسان مع الإيمان مسألة وقت فقط:
إخواننا الكرام؛ هناك نقطة مهمة جداً أنك أنت خيارك مع الإيمان خيار وقت، مع مليون موضوع أنت مخير خيار قبول أو رفض، عرضوا عليك بيتاً لم يعجبك فرفضته، عرضوا عليك فتاةً كي تتزوجها لم تعجبك أخلاقها فرفضتها، أنت مع مليون موضوع، مع مئة مليون موضوع، معك خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان خيارك خيار وقت فقط، الدليل فرعون أكفر كفار الأرض الذي قال:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
والذي قال:
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾
هذا الإنسان الذي ادّعى الإلوهية حينما أدركه الغرق:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
إذاً آمن، لأن الإنسان أيّ إنسان لابد من أن يؤمن عند الموت.
﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
هذا الإيمان لا قيمة له إطلاقاً، إذاً خيارك مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض.
أيها الإخوة؛ هذا الدرس حول أن الإنسان إذا تحرك في الحياة الدنيا بدافع من شهواته، ومن دون منهج إلهي ما الذي يحصل؟ الله عز وجل يربيه، تربية الله له لطيفة جداً، وفيها مراحل أربعة؛ أول مرحلة: الهدى البياني، الموقف الكامل الاستجابة، المرحلة الثانية: التأديب التربوي، الموقف الكامل التوبة، المرحلة الثالثة: الإكرام الاستدراجي، الموقف الكامل الشكر، المرحلة الرابعة: حينما لا ينفع معه البيان، ولا التأديب، ولا الإكرام القصم، عندئذٍ يقصمه الله عز وجل.
كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم يدل دليل على خلافه:
أيها الإخوة؛ إلى الموضوع العلمي، أو إلى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
أيها الإخوة؛ من مُسلمات علم الأصول أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، لكن يُعَلِّق علماء الأصول: ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، فإذا فال الله عز وجل:
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾
هذا أمر بالكفر، لكنه أمر تهديد، وإذا قال الله عز وجل:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾
هذا أمر ندب، وإذا قال الله عز وجل:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾
أمر ندب، أمر إباحة، أما لو لم تكن هناك قرينة تصرف الأمر عن الوجوب كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.
من هذه الأوامر، دقق:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

أمر، أنت مكلف بنص هذه الآية أن تُفكر في هذا الطعام، هذه البقرة تقدم لك الحليب، معمل صامت، تأكل الحشيش فتعطيك الغذاء الكامل، الغذاء الكامل في الحليب، والغدة الثديية في البقرة على شكل قبة، محاطة من أعلاها بأوعية دموية كثيفة جداً، والغدة الثديية تأخذ من الدم حاجتها لصنع الحليب.
﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)﴾
يوجد بالدم حمض البول، يوجد بالدم مواد سامة، يوجد مواد لا يعلمها إلا الله، بروتينات، وشحوم، وسكريات، ومعادن، وأشباه معادن، ويوجد حمض البول، ويوجد مفرزات بعض الأجهزة، ويوجد، ويوجد.
كيف تختار الخلية الثدييةُ من مكونات الدم مكونات الحليب؟
هذه الخلية الخلية الثديية كيف تختار من مكونات الدم مكونات الحليب؟ طبعاً هذه الخلية تأخذ من الدم حاجتها،

ويرشح منها نقطة حليب، هذه النقطة تصب في ثدي البقرة، ثدي البقرة قد يتسع لعشرين أو ثلاثين أو أربعين كيلو، هذا الثدي مُقوّى من الداخل بجدارين متعامدين، جدار هكذا، وجدار هكذا، ثدي البقرة مُقسم إلى أربعة تجاويف، مع كل تجويف حلمة، لو أن أربعة إخوة يملكون بقرة، وأخذ كل أخ حلمة من حلم ثدي البقرة لأخذ ربع الكمية بالتمام والكمال، هذه الخلية الثديية تأخذ من الدم حاجتها، هل هي عاقلة؟ الإنسان بحاجة إلى سكريات، تأخذ سكراً، بحاجة إلى بروتين، تأخذ بروتيناً، بحاجة إلى دهن، تأخذ دهناً، بحاجة إلى فيتامينات، اقرأ عن الحليب، مكونات الحليب غذاء كامل للإنسان، وحاجة وليد البقرة إلى الحليب لا يزيد عن بضع كيلوات، فالستون كيلو والأربعون كيلو لمن؟ للإنسان.
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾
خُلقت لكم خصيصاً، ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ كلمة لكم تعني صممت من أجلكم، إنتاج الحليب بالعالم يفوق حدّ الخيال، أنت انظر إلى الحليب، لبن، جبن، سمن، قشدة، مشتقات الحليب شيء مذهل، ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ .
قال: كل أربعمئة لتر دم تجول حول الغدد الثديية من أربعمئة لتر دم يُصنع لتر واحد من الحليب،

لتر الحليب الواحد محصلة جريان أربعمئة لتر فوق الخلايا الثديية بثدي البقرة، وحتى الآن لا أحد يعلم، وهذا في كتاب علمي يُدرس في جامعة دمشق لا أحد يعلم طبيعة عمل الغدة الثديية، الذي نعلمه أنها تختار من الدم حاجتها لصنع الحليب، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
هذه آية، أي تأكل في اليوم ثلاث وجبات، هذا الخبز، هذا الحليب، هذا اللبن، هذه القشدة، هذه الجبنة صنع من؟ تصميم من؟ كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل الحليب أو شرب الحليب،
(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ: بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ. ))
أنا الذي أتمناه عليكم وهناك أمر إلهي في القرآن الكريم، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، الذي أتمناه عليكم أن تتفكروا فيما تأكلون.
التفكر في الفواكه والمحاصيل:
الفواكه تنضج تباعاً، الله عز وجل برمج الفواكه في الصيف على مراحل، أول شيء اللوز، الكرز، المشمش، التفاح، الأجاص،

الدراق، العنب، لو أنها نضجت كلها في يوم واحد ماذا نفعل بها؟ الآن الفاكهة الواحدة تنضج تِباعاً، البطيخ ينضج خلال ثلاثة أشهر في أيام الصيف، أي من ضَمِن حقل بطيخ يقطف منه كل يوم مركبة، قال لي أحدهم: تسعون مركبة، ينضج خلال ثلاثة أشهر، أما المحاصيل تنضج في يوم واحد، لو كان القمح ينضج خلال ثلاثة أشهر لكان عملاً فوق طاقة الإنسان، يمسك سنبلة سنبلة هل استوت لنقطعها؟ القمح يوم واحد، المحاصيل يوم واحد، الفواكه مبرمجة فيما بينها على ثلاثة أشهر، ومبرمجة في الفاكهة الواحدة هذا النوع من الفواكه شهر، عشرون يوماً، عشرة أيام، تصميم من؟ برمجة من؟ حكمة من؟ انظر للتفاحة، حجمها معقول، لونها زاهٍ، رائحتها عطِرة، قِوامها معقول، تأكلها بأسنانك، لو كان التفاح كالصخر تحتاج إلى مطحنة حجار، لو أن التفاح له رائحة كريهة لا تأكله، رائحة على لون على حجم على قشر يحميها، أي فكر بفَاكهة فاكهة، جزء من إيمانك، هذا طريق معرفة الله:
﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ الفواكه،

القمح، الشعير، الحمص، العدس، هذا الطعام الذي نأكله، وهذا الحليب الذي نشربه، وهذه الفواكه التي نأكلها، تصميم من؟ من يستطيع أن يصف لي طعوم الفواكه دون أن يذكر اسمها؟ صف لي طعم الأجاص؟ حلو، والدراق حلو، والتفاح حلو، والتوت حلو، وكل الفواكه حلوة، لكن كل فاكهة بطعم، هل بإمكانك أن تصف لي طعم الفاكهة دون أن تذكر اسمها؟ لا تستطيع، طعم مشمش، تقول: مشمش لا تقدر، من دون أن تقول مشمش هل تستطيع أن تصف الطعم؟ لا تستطيع، الله عز وجل قال:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾
هذا قرآن، الله عز وجل يلفت نظرك إلى هذا:
﴿يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ الفاكهة الواحدة، يوجد تفاح أصفر، يوجد تفاح أحمر، يوجد حامض شتوي، يوجد تفاح سكري، أنواع منوعة، إلى أربعمئة، خمسمئة نوع يوجد تفاح،

كل فاكهة أنواع منوعة، تصميم من؟ أي من أجل أن نعرف الله لابد من أن نفكر في مخلوقاته.
مرة ثانية: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ هذا أمر قرآني، وكل أمر يقتضي الوجوب.
الملف مدقق