الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الإنسان مخلوق مُكرَّم مُكلَّف:
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الثامن والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى سلسلة من الموضوعات الفرعية المتعلقة بالشهوة، والشهوة أحد مقومات التكليف،

وقبلها تحدثنا عن الفطرة، وقبلها تحدثنا عن العقل، وقبلها تحدثنا عن الكون، فالكون والعقل والفطرة والشهوة من مقومات التكليف، فالإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾
والإنسان هو المخلوق المُكرّم:
﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾
والإنسان هو المخلوق المُكَلف، مُكلف عبادة الله عز وجل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
الإنسان مُنِح مقومات التكليف وحمل الأمانة:
ما كلفنا ربنا أن نعبده إلا وأعطانا مؤهلات هذه العبادة، مقومات هذا التكليف، في رأس هذه المقومات هذا الكون الذي ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، أعطانا عقلاً كأداة كافية لمعرفة الله من خلال الكون، أعطانا فطرة كأداة كافية لمعرفة خطئنا، أعطانا شهوة كقوة دافعة نرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، وقد أمضينا دروساً عديدة حول موضوع الشهوة.
الاختيارُ من مقوِّمات التكليف:
ننتقل الآن إلى مُقوِّم جديد من مقومات التكليف ألا وهو الاختيار، أنت مخير، وما من عقيدة شلت الأمة وأخرتها كعقيدة الجبر، أي أن تتوهم أن الله أجبرك على أفعالك، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطَع مُكرًهاً.
للتقريب، مدرسة في أول يوم من العام الدراسي جُمِع الطلاب في الباحة، وتلا المدير على الطلاب أسماء الناجحين في آخر العام مقدماً، وأسماء الراسبين، هل يستطيع الطالب أن يدرس؟ هذا مصيره، لا الذي نجح سيدرس، ولا الذي رسب سيدرس.
آياتٌ قرآنية تثبت الاختيار للإنسان:
عقيدة الجبر عقيدة شلت الأمة، هناك أوهام معشَّشة في أذهان الناس أن كل شيء منتهٍ، الله كتب على إنسان الشقاء أو السعادة، لا:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(43)فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)﴾
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾
هو، مخير.
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾
هل يستطيع راكب بمركبة أن يخاطب الراكب في المقعد الخلفي يقول له: خذ اليمين؟ أيّ يمين؟ حدث السائق، فــ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ على من تعود هو؟ إنْ أعدتها على الله ينشأ بالآية تناقض: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ليس بيدي يا رب، بيدك الأمر ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ الإنسان مُوَلِّيهَا، اختياره هذا.
عزو الأخطاء إلى الآخرين فكرٌ قديم:
طبعاً هناك موقف حاسم لسيدنا عمر لما جاؤوا له بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، طبعاً الباطل قديم، أي الإنسان يميل إلى أن يعزو أخطاءه إلى غيره، اسأل طالبًا راسباً، لماذا رسبت؟ يقول: هذا الأستاذ ليس معقولاً إطلاقاً،

هو ليس له ذنب، فقط الأستاذ، السؤال غير معقول، المنهاج غير معقول، لمَ لا تقل: أنا كسول؟ أنا ما درست، دائماً الإنسان يريد أن يعزو أخطاءه إلى غيره كالنعامة تماماً تخفي رأسها في الرمال، وتنسى أنها مِن خطئها صادها الصيادون، وهذا مرض مستشرٍ، لو وجدنا حفرة في الطريق ماذا نقول؟ الاستعمار، يوجد عندنا مشجب نعلق عليه كل أخطائنا، الاستعمار، الصهيونية، الإمبريالية، لا، نحن مخطئون، هذه أخطائنا أودت بنا إلى ما نحن عليه، لا يوجد جرأة، يجب أن تكون جريئًا أن تقول: أنا أخطأت، اسأل طالباً ما نجح يقول لك: الله ما كتب لي، لماذا أنت ما درست؟ لمَ لا تقل: لم أدرس؟ الله ما كتب لي، ما آن الأوان، هذا أمر الله، ترتيب سيدك، كل إنسان يقع في خطأ، يُقصِّر، لا يؤدي واجباً، لا يتقن عمله، لا يحتاط، لا يأخذ بالأسباب، ويأتي جزاء التقصير، جزاء الإهمال، جزاء عدم الأخذ بالأسباب، جزاء الجهل، يقول: هذا من إرادة الله.
﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾
أيها الإخوة؛ أنا لا أبالغ هذا الموضوع أنا أعدُّه أخطر موضوع في العقيدة، لمجرد أن تتوهم أن كل شيء منتهٍ، الشقي شقي، والسعيد سعيد، ولا يوجد أمل، لمَ العمل؟ لِمَ الأمر أساساً؟ لمَ النهي؟
وجودُ الأمرِ والنهيِ في القرآن دليلُ الاختيارِ:
بربكم بشكل صريح، لو قسنا عرض كتف إنسان، قد يكون ثلاثة وستين سنتيمتراً وثمانية ميليمتر، بنينا جدارين، الفراغ بينهما ثلاثة وستون سنتيمتراً وثمانية ميليمتر، فإذا سار هذا الإنسان بين الجدارين الجدار الأيمن يُلامس كتفه الأيمن، والجدار الأيسر يُلامس كتفه الأيسر، قلنا له: رجاءً خذ اليمين، هل يوجد يمين هنا؟ إذا كان هناك طريق ممر إجباري، ولا يوجد أي مسافة للاختيار الأمر له معنى؟ اسمعوا الدليل، لمجرد وجود الأمر في القرآن الكريم، ولمجرد وجود النهي في القرآن الكريم أنت مخير، لو لم تكن مخيراً ما كان هناك معنى إطلاقاً للأمر والنهي، واضحة الفكرة؟ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ .
آياتٌ قرآنية أخرى تثبت الاختيار للإنسان:
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أما الآية الأصل في هذا الباب أن الإنسان مخير.
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾
هذه الآية أليست كافية؟ أليس هذا كلام الله؟ أليس هذا توجيه الله عز وجل؟
مجالات كون الإنسان مسَيَّرًا فيها غير مخيَّر:
1 – الإنسان مسيَّر في كونه ذكرًا أو أنثى:
أنت مخير، لكن البحث يحتاج إلى تفصيل،

أنت مخير في ماذا؟ والحقيقة الدقيقة أنك مسيَّر ومخيَّر، بماذا أنت مسيَّر؟ مَن منكم عرضوا عليه أن يكون ذكراً أو أنثى فاختار أن يكون ذكراً؟ أو الأنثى اختارت أن تكون أنثى؟ ولا أحد، أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى، أليس كذلك؟ أنت في هذا مسيَر، ولكن لو كشف الله لك الغطاء لوجدت أنه ليس في إمكانك إلا أن تكون كما سيّرك الله إليه، ليس في الإمكان أبدع مما كان، أي ليس في إمكاني أفضل مما أعطاني، لو كشف الله لك الغطاء لكانت الحكمة المطلقة أن تكون ذكراً، ولو كُشِف الغطاء للأنثى لكانت الحكمة المطلقة أن تكون أنثى، فأنت في كونك ذكراً أو أنثى مسيَّر.
2 – الإنسان مسيَّر في الانتساب إلى أبيه وأمه:
مَن منكم اختار أمه وأباه؟

وأنت مسير في أمك وأبيه.
3 – الإنسان مسيَّر في مكان ولادته:
من كان مخيَّراً في مكان ولادته؟ إنسان وُلِد في دمشق، إنسان في شيكاغو، وأنت مسيَّر في مكان ولادتك.
4 – الإنسان مسيَّر في زمان ولادته:
نحن جميعاً وُجدنا بالقرن العشرين وجدنا، وبعد مئة عام لا أحد من الحاضرين على سطح الأرض، وقبل مئة عام لا يوجد أحد في كل هذا اللقاء الطيب كان على سطح الأرض، أنت مُسير في زمن ولادتك، مُسير في كونك ذكراً أو أنثى، في أمك وأبيك، في مكان ولادتك، في زمن ولادتك.
5 – الإنسان مسيَّر في خَلْقِه وصورتِه:
أنت ذو قامة مديدة، شيء رائع، هل كنت مخيراً بها؟ أنت ذو قامة ليست مديدة، هل أنت مخير؟ أنت لونك أبيض، هناك إنسان لونه ملون، مُخيّر؟

أبداً، شكلك، لونك، خصائصك، عندك سرعة بديهة، عندك ذاكرة قوية، عندك قوة فهم، عندك محاكمة دقيقة، أي خصائصك، قدراتك أنت بها مُسيَّر.
ما أنت عليه هو أفضلُ وضع لك:
أما أخطر ما ينبغي أن نعرفه في موضوع المسير أن الذي ساقه الله إليك، أو الذي أقامك الله به هو أفضل شيء يمكن أن يكون مُسعداً لك، وحافظاً لك، لذلك البشر جميعاً يوم القيامة، وقد كُشِف لهم الغطاء يلخصون علاقتهم بالله بآية تقول:
﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾
وهذا معنى بعض الأقوال: لو كُشِف الغطاء لاخترتم الواقع، أنت مسير في كونك ذكراً أو أنثى، في أمك وأبيك، في مكان ولادتك، في زمن ولادتك، في خصائصك.
الإنسان مخيَّر في مسائل الأمر والنهي التعبدية:
أما فيما أنت مكلف به أنت مخير، الله عز وجل أمرك بالصلاة، أنت مخير تصلي أو لا تصلي، أمرك بالاستقامة، أنت مخير تستقيم أو لا تستقيم، أمرك بالصدق، تصدق أو لا تصدق، أمرك بالعدل، تنصف أو لا تنصف، أمرك أن ترحم مَن حولك، ترحم أو تقسو، أمرك ببر والديك، تبرهما أو تعقهما، أنت مخير فيما كُلفت، أمرك أن تطلب العلم، أتيتم إلى هذا المسجد، وكل واحد منكم بإمكانه ألا يأتي، وأن يجلس في بيته، بل بإمكانه أن يتوجه إلى ملهى، أليس كذلك؟ هذا شيء واقعي، أنت مخير، مخير فيما كلفت، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ الإنسان ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أنت مخير، ولولا أنك مخير ما كان هناك معنى إطلاقاً للثواب والعقاب، والجنة والنار، والتكليف والأمانة، وما كان عملك مثمنًا إطلاقاً، لو معك جهاز هاتف متطور جداً، وواحد شَهَرَ عليك-لا سمح الله-مسدسًا، وقال لك: أعطني هذا الجهاز أو أقتلك؟ تعطيه إياه، هل تشعر أن هذا عمل طيب قمت به؟ هل تحس بنشوة في الإيمان أنك قدمت له هاتفاً؟ قلبك محروق منه لأنك أُجبِرتَ على ذلك.
المطلوب الهدى الاختياري لا الهدى القسري:
أريد أن أقول لكم كلمة: لو أن الله أراد أن نؤمن جميعاً لآمنا:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾

ولو شاء ربك لهدى الناس جميعاً، العملية سهلة جداً، الهدى القسري سهل جداً، لكن لا يكون هذا الهدى مسعداً إطلاقاً، رئيس جامعة فكّر، قال: سوف أجعل نسب النجاح مئة في المئة، ما شاء الله، كيف؟ قال: سأوزع على الطلاب أوراق الإجابة وقد طُبعت طباعة بالإجابة التامة، وعلى اليسار طُبعت بالأحمر علامة مئة من مئة، نجمع الطلاب في قاعة، نعطيهم الأوراق، نقول له: اكتب اسمك فقط واخرج، والنتيجة جميع الطلاب ناجحون، من دون استثناء، وكلهم أوائل، امتياز، امتياز، امتياز، ما قيمة هذا النجاح عند الناس؟ لا قيمة له، ما قيمة هذا النجاح عند الطلاب؟ لا قيمة له، ما قيمة هذا النجاح عند رئاسة الجامعة؟ لا قيمة له، أي الهدى القسري لا قيمة له أبداً.
تصور وقد يكون طريفًا: لو أن كل إنسان نظر إلى فتاة يفقد بصره، ماذا يفعل الملحدون؟ يغضون البصر، الملحد يخاف على عينه، أساساً الأقوياء يُطاعون هكذا، أقوياء الأرض، طغاة الأرض يطاعون، مئة بالمئة يطاعون، هل هذه الطاعة تسمو بالطائع؟ إطلاقاً، مقهور، مجبور، لو أن الله أراد أن يجبرنا على الطاعة القضية سهلة جداً، لكن هذا الإجبار على الطاعة لا قيمة له إطلاقاً، ولا يُقدم ولا يؤخر، ولا يسعد ولا يرقى بالإنسان، يرقى بالإنسان أن يأتي الله مختاراً، أن يأتيه طائعاً، أن يأتيه بمبادرة منه، أن يأتيه عن محبة، كأن الله جلّ جلاله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾
ولك أن تفهم جميع الآيات التي في مضمون: ولو شاء ربك لهدى الناس جميعاً بهذا المعنى، هذا الهدى القسري لا قيمة له إطلاقاً، ولا يرقى بك، ولا يسمو بك، ولا يسعدك، أما الذي يسعدك أن تمر أمامك فتاة، وبإمكانك أن تملأ عينيك من محاسنها، لكنك خوفاً من الله، ومحبة له، وطاعة له تغض البصر عنها، وتقول:
﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)﴾
بإمكانك ألا تصلي، لكن الوقت شتاء، والبرد شديد، والفراش وثير ودافئ، وسمعت أذان الفجر، جسمك يدعوك أن تبقى نائماً، تنزع عنك الغطاء، وتقوم إلى الوضوء وتصلي، أنت مختار، أرادك أن تأتيه مختاراً، أرادك أن تأتيه طائعاً، أراد أن تأتيه بمبادرة منك، أراد أن تكون علاقتك به علاقة حبّ، علاقة ود.
الفرق بين عبدِ القهر وعبد الشكر:
من هنا كان البشر عباداً أو عبيداً، عباد جمع عبد الشكر، وعبيد جمع عبد القهر، كل واحد عبد لله حتى الملحد، حتى الكافر، حتى العاصي، حتى الفاجر، معنى عبد أي في قبضة الله، بأي لحظة يتجمد الدم في إحدى أوعية الدماغ، يكون بأعلى درجة من الحيوية والنشاط يقع في الأرض، شلل، يفقد النطق، يقول لك: خثرة في الدماغ، سكتة دماغية، بأي لحظة يضيق الشريان يشعر بالذبحة الصدرية، بأي لحظة تنمو الخلايا نمواً عشوائياً، مرض تحدى أهل الأرض، في أعلى درجة من التقدم، الورم الخبيث حتى الآن مرض عضال لا دواء له، أنت في قبضة الله، أنت بهذه الطريقة عبد قهر، أما إنسان فكّر في هذا الكون، تعرف إلى الله، أقبل عليه، أحبه، قرأ كتابه، أدى عباداته، عمِل أعمالاً صالحة لخدمة خلقه، هذا عبد جمعه عباد:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾
العبيد جمع عبد القهر، والعباد جمع عبد الشكر، فأنت مخير، ولولا أنك مخير لا قيمة لعملك إطلاقاً.
مرة ثانية؛ لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
لذلك سأل رجلٌ سيدنا عليًّا رضي الله عنه قال له: أكان مسيرُنا إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ قال: ويحك، لو كان قضاء لازماً وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد، ولانتفى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطَع مُكرهاً.
الموقف العلمي من الآيات التي ظاهرها الجبر والقسر:
أيها الإخوة؛ أحياناً الإنسان في بعض آيات القرآن الكريم يحتاج إلى عالم، هناك آية من يقرؤها قراءة أولية قد لا يفهم أبعادها الدقيقة، هذه الآية:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾
على ظاهر الآية المعنى مخيف، لكن حقيقة الآية أي يا عبادي أنتم تزعمون أنني أجبرتكم على أعمالكم، لو كنت مجبركم على عملٍ ما لما أجبرتكم إلا على الهدى، لو كان من الممكن أن أجبركم على عمل لأجبرتكم على الهدى، أي ولو شئنا أن نلغي اختياركم، ولو شئنا أن نلغي تكليفكم، لو شئنا أن نلغي حملكم للأمانة، لو شئنا أن نلغي الرسالة التي كًلِّفتم بها، لو شئنا أن نلغي هويتكم كمخلوق أول قال: يا رب أنا لها للأمانة حينما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ لو شئنا أن نلغي اختياركم، لو شئنا أن نلغي تكليفكم، لو شئنا أن نلغي هويتكم، لو شئنا أن نلغي أنكم المخلوق الأول، لو شئنا أن نلغي حمل الأمانة لما أجبرناكم إلا على الهدى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ولكن أعمالكم ليست من إجبار الله لكم، بل من اختياركم، ولذلك سوف تحاسَبون عليها، وتدفعون الثمن باهظاً: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هذا جزاء عملهم، وجزاء جريمتهم، وجزاء عدوانهم، لذلك أخطر ما ينبغي أن تعتقده ألا تعزو خطأك لجهة أخرى، أوضح مثلٍ، بل مثل صارخ: طالب ما درس أبداً، طبعاً لا ينجح، فلما رسب قال: هذه مشيئة الله، الله عز وجل ما كتب لي النجاح، سبحان الله! ألا تضحك عليه بهذا الكلام؟ هذا كلام مرفوض، وهذا كلام المسلمين، لمَ لا تصلي؟ يقول: الله لم يهدني بعد، لمَ لا تستقيم؟ الله ما كتب لي الهدى، لمَ لا تصوم رمضان؟ لا يوجد إذن من سيدك، كل أخطائه، كل معاصيه، كل تقصيراته يعزوها إلى الله، وهذه أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون، لذلك لا يُعِدّون لأعدائهم العدّة، الله عز وجل قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾
أعدُّوا لنا، ولم نُعِدّ لهم، أعدّوا لنا أسلحة فتاكة فأجبروا العاَلم كلَه على ثقافتهم، وعلى إباحيتهم، وعلى أنماط حياتهم، هذه العولمة، هذا أدق مفهوم للعولمة، أي جهة قوية جداً تفرض ثقافتها وتفلتها وإباحيتها على العالم كله، يوجد تقصير مِن قِبَلنا، هم أعدوا لنا، هم يعملون في ظلام الليل، ونحن نائمون في ضوء الشمس، أنا أتمنى ألا يفكر إنسان مسلم أن يعزو الخطأ إلى غيره، لو تعمقنا أكثر أكثرُ أخطاء أولادك منك أيها الأب، أيها المعلم أكثر أخطاء طلابك منك، لا تتهرب مِن تحمُّلِ المسؤولية، كن جريئاً وشجاعاً، قل: أنا مخطئ، خطئي في تربية أولادي أودى بهم إلى ما هم عليه.
أيها الإخوة؛ هذا موقف شجاع، موقف جريء أن تتحمل أخطاءك، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ .
أيها الإخوة؛ ولكن لابد من حقيقة وهي أن الله يعلم، يعلم ما سيكون علْمَ كشفِ لا علمَ جبرٍ.
الإيمان هو الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:
أيها الإخوة؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث خطير جداً، معنى خطير أي مصيري:
(( عوف بن مالك الأشجعي: إنَّ اللهَ تعالى يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ. ))

تستسلم، ما بيدنا شيء، انتهينا، أعداؤنا أقوياء، هذا خطأ كبير،
((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ)) فكّر، دبِّر، خذ بالأسباب، تحرك، استعن بالله ولا تعجز، قال:
((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) متى ينبغي أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل؟ إذا غلبك أمر،
((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) أي المثل الأول: طالب ما درس إطلاقاً، بدأ يقول: الله ما كتب لي أن أنجح، خطأ، الله ما قدر لي النجاح، خطأ، الأستاذ كان ظالماً بأسئلته، خطأ، قل: أنا ما درست لذلك لم أنجح، هذا الموقف العلمي، الموقف الإيماني، الموقف الأخلاقي، لكن درست دراسة بأعلى درجة، حال بينك وبين تقديم الامتحان مرض مفاجئ الآن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل،
((فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) من أنتم؟ فقراء في موسم الحج يتكففون الناس، مَن أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا هو الإيمان، الإيمان أخذ بالأسباب، الإيمان:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾
بين فقر الكسل وفقر القدَر وفقر الإنفاق:
الإيمان أن تطوِّر عملك، أن تُنمِّي اختصاصك، أن تُنمِّي خبرتك، الإيمان أن تبحث عن كل ثغرة في حياتك، بعدئذ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، بعد أن تستنفذ كل الجهود تستسلم لقضاء الله وقدره، الاستسلام لقضاء الله وقدره يكون بعد أن تستنفذ الأسباب، وإلا يمكن أن أقول وأنا لا أتورع عن أن أقول: هناك من الفقراء من فقرهم فقر كسل، عمله غير متقن، مواعيده غير مضبوطة، بضاعته سيئة جداً، لا يوجد اهتمام، لا يوجد إنجاز، لا يوجد متابعة، لا يوجد حسابات دقيقة، طبعاً سيفتقر، هذا فقر الكسل، إياك أن ترى أن هذا الفقر من الله عز وجل، هذا من فعلِ نفسك، هذا فقر الكسل، لا يوجد إتقان، لا يوجد إنجاز، لا يوجد صدق، لا يوجد أمانة، لا يوجد اهتمام بالطرف الآخر، لا يوجد معاملة طيبة، لا يوجد حسابات دقيقة، طبعاً المحل يتراجع، والمشترون يتفرقون عن هذا المحل التجاري، يا أخي لا يوجد هنا رزق، الله ما كتب لي رزقاً وفيراً، هذا كلام مضحك، قل: أنا مقصر، نفر الناس من هذا العمل، فانصرفوا عني إلى غيري، هذا فقر الكسل، لكن هناك فقر القدر، إنسان امتحنه الله بعاهة، هذه العاهة تحول بينه وبين أن يكسب رزقاً وفيراً، هذا فقر القدر، وسيدنا الصديق افتقر، لكن افتقاره كان افتقار الإنفاق، قال: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله، هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك فقر الإنفاق، فقر الكسل صاحبه مذموم، وفقر القدر صاحبه معذور، وفقر الإنفاق صاحبه محمود، هناك فقر محمود وفقر معذور وفقر مذموم.
كنا مرة في مؤتمر إسلامي ضخم في ماليزيا، فأُلقيت كلمة، ووجهت للأمة العربية، والكلمة مؤلمة جداً، قال: أنتم في بلادكم تُعزون أخطاءَكم إلى القدر، وهذا سبب تخلفكم، يا أخي الله ما كتب للأمة النصر، انتظروا النصر، لا يأتي، بالانتظار لا يأتي، يأتي بالعمل: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ .
الأخذ بالأسباب أمر ضروري شرعاً وعقلاً:
لكن النمط المسلم المعاصر نمط غير مقبول إطلاقاً، لا يفعل شيئًا،

سيدنا عمر رأى مع رجل جملاً أجرب سأل صاحبه: ما تفعل بهذا الجمل يا أخا العرب؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: يا أخي هلّا جعلت مع الدعاء قطراناً؟ خذ بالأسباب يا أخي، هلّا جعلت مع الدعاء قطراناً؟ يسافر لا يراجِع مركبته، يكون فيها أخطاء كبيرة جداً، يمشي بسرعة عالية، لا يوجد معه مكابح، عمل حادثاً، سبحان الله! هذا قضاء الله وقدره، لا، هذا جزاء التقصير، القضاء والقدر شيء آخر، لما أنت تراجع المركبة، تراجع المكابح، تراجع العجلات، تراجع كل شيء بالمركبة تقول: يا رب توكلت عليك، والله لحكمة بالغة بالغة، ولحكمة بالغة بالغة بالغة صار هناك حادث، هذا الحادث قضاء وقدر، إياك أن تفهم القضاء والقدر على أن نتائج أخطائك هي قضاء وقدر، نتائج أخطائك جزاء التقصير، والقضاء والقدر حينما تأخذ بكل الأسباب، وتتوكل على رب الأرباب، الذي يأتي بعد هذا هو القضاء والقدر، لهذا البحث تتمة إن شاء الله، نبحث هذا في درس قادم.
الموضوع العلمي النظرية النسبية:
الآن الموضوع العلمي، أيها الإخوة؛ الغرب يزهو بعالم فيزيائي كبير اسمه أنشتاين، لكن هذا العالِم له عندي مكانة خاصة، السبب؟ هو من ألمانيا، السبب أنه قال: كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، عليمة هي أعلم ما تكون، رحيمة هي أرحم ما تكون، حكيمة هي أحكم ما تكون، هو إنسان حي، ولكنه ميت.
هذه كلمة رائعة لهذا العالم الذي جاء بنظرية النسبية التي قلَبت مفاهيم الفيزياء في العالم، هذه النظرية تؤكد أن السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء، الضوء سرعته التقريبية ثلاثمئة ألف كيلومتر بالثانية الواحدة، أي الدرس ستون دقيقة، اضرب ستة بثلاثة، ثمانية عشر، الدقيقة ستون ثانية، عندنا صفر وثلاثمئة ألف خمسة أصفار، وصفر ستة، ثمانية عشر أمامهم ستة أصفار، سرعة الضوء بهذا الدرس ثمانية عشر مليون كيلو متر، أي الضوء قطع بهذا الدرس ثمانية عشر مليون كيلو متر، فهذا العالم اكتشف السرعة المطلقة في الكون، إنها سرعة الضوء التقريبية، ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، الآن أيّ شيء مشى بسرعة الضوء أصبح ضوءاً، أي هذه الساعة لو أتيح لنا أن نجعلها تنطلق بسرعة الضوء لفقدت كل خصائصها وأصبحت ضوءاً، أيّ جسم يمشي بهذه السرعة يصبح ضوءاً.
الزمن هو البعدُ الرابعُ للأشياء:
يوجد تعريف للزمن دقيق جداً يقول لك: لو حركنا نقطة تحريكاً مستقيماً، أي أقلُّ مفهوم في الهندسة النقطة، لو حُرِكت حركة مستقيمة لشكلت خطاً، لو الخط حُرِّك حركة مستقيمة لشكل سطحاً، هذا خط، أما هذا سطح، لو أن السطح حركناه حركة مستقيمة لشكّل حجماً، هذا الحجم إذا حركناه شكّل زمناً، فقالوا في تعريف الزمن هو البعد الرابع للأشياء، أي هذه الطاولة لها طول وعرض وارتفاع، الآن هذه الطاولة بعد عشرين سنة يتغير لونها، فتغيُّر اللون هو البعد الرابع، يمكن بعد عشرين سنة يكون هذا المكان صقيلاً أكثر من حركة اليدين عليه، أحياناً تجد درجاً حجراً بالأبنية القديمة مع الاستعمال الشديد، أحياناً تجد آلة خياطة مستعملة منذ عام ألف وتسعمائة وثلاثين تجد الخيط حافراً حفرة على هذه الآلة، فالزمن البعد الرابع، على الحركة والاستعمال ينشأ تغيرات، هذا القميص له وزن، له أبعاد، لكن عندما تلبسه خمس سنوات يصبح في مكان ما ضعيفًا، اللون يتغير، فكل تطور يأتي بفعل الزمن يُعدّ البعد الرابع للأشياء، كل شيء له وزن.
الفرق بين الجماد والنبات والحيوان والإنسان:
بالمناسبة الجماد شيء له وزن، له أبعاد ثلاث، يشغل حيزاً، هذا الجماد، النبات شيء له وزن، وله أبعاد ثلاث، ويشغل حيزاً، لكنه ينمو، الحيوان شيء يشغل حيزاً، وله أبعاد ثلاث، وينمو ويتحرك، يمشي، النبات لا يمشي، أما الدابة تمشي، الإنسان شيء يشغل حيزاً، وله أبعاد ثلاث، وله وزن، وينمو كالنبات، يكون ابنك طوله أقل منك، في الثامنة عشرة يصبح أطول منك، هناك أولاد ما شاء الله طول سامق، وينمو، ويتحرك، ويفكر، فأنت الميزة الوحيدة التي ميزك الله بها أنك تفكر.
كل جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً:
صار نظرية النسبية أن كل جسم سار مع الضوء أصبح ضوءاً، واضح تماماً، الآن هذا الدرس فيه إضاءة، هذا منبع ضوئي، ونحن مستقبل ضوئي، المستقبل الضوئي يُصدر موجات ضوئية سرعتها ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، لو تصورنا أن مركبة فضائية تمشي مع الضوء، هذا الدرس يبقى على ما هو عليه إلى مليارات السنين، لو تصورنا أننا ركبنا مركبة أسرع من الضوء، أي سبقنا الضوء لرأينا بهذه العين معركة بدر، شيء علمي، لو سبقنا الضوء تراجع الزمن، نرى بهذه العين موقعة بدر وأحد والخندق والقادسية واليرموك، لو سرنا مع الضوء توقف الزمن، هذا المنظر يبقى إلى أبد الآبدين، لو قصرنا عن الضوء يتراخى الزمن، تكون الساعة في الفضاء الخارجي تساوي ألف سنة.
السبق العلمي القرآني في نظرية النسبية:
إلى هنا في مؤتمر الإعجاز الخامس الذي عُقِد في موسكو طُرح موضوع خطير، موضوع أن هذه النظرية العملاقة التي جاء بها أنشتاين مُدرجة في بضع كلمات في القرآن الكريم، الآية:
﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾
العرب مخاطَبون بهذه الآية، ﴿مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أيها العرب، والعرب تعدّ السنة القمرية، والقمر يدور دورة حول الأرض كل شهر، طلابنا الأكارم؛ لو أخذنا مركز القمر ومركز الأرض وصلنا بينهما بخط، ما هذا الخط؟ القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، الخط الواصل بين مركز الأرض ومركز القمر يساوي نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، هل من الممكن أن نعرف طول هذا الخط؟ طبعاً، نصف قطر القمر مُضاف إليه نصف قطر الأرض مع المسافة بينهما، هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ضرب اثنين، القطر، ضرب ثلاثة فاصلة أربعة عشر البي، المحيط، اثنتا عشرة دورة بالسنة ضرب اثني عشر بالسنة، بألف سنة ضرب ألف، أي نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، والتي نأخذها من نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما ضرب اثنين القطر، ضرب 3,14 المحيط، ضرب اثني عشر بالسنة، ضرب ألف بألف سنة، أي أحد الطلاب اليوم يعدها على الآلة الحاسبة، سهلة جداً، هذا الرقم-هنا الشاهد-لو قسمناه على ثواني اليوم لكانت سرعة الضوء لا التقريبية ولكنها الدقيقة، مئتان وتسعة وتسعون ألفاً وسبعمئة واثنان وخمسون، أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، ولأن سرعة الضوء تقاس بالثواني نقسم على ثواني اليوم: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ هذا البحث يزيد عن ثمانين صفحة عندي، إلا أنني عرضته لكم ملخصاً، وهذا البحث عُرِض في مؤتمر الإعجاز العلمي الخامس الذي عُقد في عاصمة كانت ترفع شعار: لا إله فقط، ولحكمة بالغة أن الباطل كما قال الله عز وجل:
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾
زهق الباطل، وعُقِد مؤتمر في موسكو في الإعجاز العلمي.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق