وضع داكن
21-04-2024
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 042 - الرضا
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

منزلةُ الرِضا :


        أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثاني والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ الرِضا.
        كُلكُم يعلم: أنَّ الإنسانَ بينَ حالتين؛ بينَ حالة رِضى وبينَ حالةِ سُخطٍ، فالرِضا من لوازِمِ الإيمان والسُخطُ من لوازِمِ الكُفر.
        أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الرِضا مُستحب بل إنهُ مستحبٌ مؤكّد.
         ربُنا سبحانُهُ وتعالى في بعضِ الأحاديث القُدسيّة يقول: من لم يصبِر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذّ ربّاً سِواي.
        يعني نحنُ عبيدٌ للهِ عزّ وجل, وليسَ لنا إلا قضاءِ الله وقَدَرُه, والدُعاء الذي تدعونَ بهِ دائماً: 
        اللهمَّ إني عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أَمتِكَ, ماضٍ فيَّ قضاؤك نافذٌ فيَّ حُكمُك.
        يعني بشكل واقعي: ليسَ لنا إلاّ الله عزّ وجل.
 

ما الفرق بين الحال والمقام؟ :


        على كُلٍ؛ العُلماء يُفرّقون بينَ الحال وبينَ المقام، المقام كسبيّ والحال وهبيّ، بعضُهم يرى أنَّ الرِضا حال, وما دامَ حالاً فهوَ وهبيٌّ؛ أيّ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُلقي في روعِكَ الرِضا أو السُخط، فإن رآكَ مستقيماً, إن رآكَ مُخلِصاً, إن رآكَ مُنيباً, إن رآكَ مُحِبّاً, ألقى في قلبِكَ الرِضا بقضائِهِ وقَدَرِه.
        على كُلٍ؛ الرِضا بالقضاء والقدر لهُ جانب كسبيّ, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ عزّ وجل, وعَرفتَ حِكمَتَهُ, وعَرفتَ عدله ورحمتَهُ, تستنبط استنباطاً ثابِتاً: أنَّ الذي أصابَكَ محضُ حِكمةٍ, ومحضُ رحمةٍ, ومحضُ عدلٍ, فجانب من الرِضا كسبيّ وجانب مِنهُ وهبيّ، جانب مِنهُ مقام وجانب مِنهُ حال.
        على كُلٍ؛ الجمعُ بينَ المعنيين يتمُّ على الشكل التالي: إنكَ إذا بذلتَ ما كُلّفتَ بِهِ من معرِفة اللهِ, ومن فهمِ كتابِهِ, ومن الاستقامةِ على أمرِهِ, جاءكَ الرِضا الوهبيّ, وهوَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يُلقي في قلبِكَ السكينةَ والرِضا. 
        أقول لكم هذه الكلمة: لو أنَّ إنساناً كانَ في أعلى مستوياتِ الحياة, ولم يكُن راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فهوَ في حالةٍ تعيسةٍ وشقيّةٍ لا توصف، ولو أنكَ  في أدنى درجات الحياة, وكُنتَ راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فأنتَ في أسعدِ الحالات, فالعِبرةُ ليست في كميّة المال بل العِبرةُ في الرِضا.
        يعني النقطة الدقيقة: كميّة المال والصِحة والحظوظ التي يتفضّلُ الله بِها على عِبادِهِ هذهِ ثابتة, ولكن مُنعكسها هوَ المُهم: إذا جاءتكَ الحظوظ من كُلِّ جانب ولم تكُن راضيّاً عن الله عزّ وجل فهذا شقاء، وإن فاتَكَ أشياء وأشياء من الدُنيا وكُنتَ معَ ذلكَ راضياً عن الله عزّ وجل فهذه سعادة, ما الذي يجعَلُكَ ترضى؟.
        مثلاً: طفل على كُرسي طبيب الأسنان, وفي سِنّهِ ألمٌ شديد, ولا بُدَّ من قلعِ هذا السِن, ولا بُدَّ قبلَ قلعِ هذا السِنِ من مُخدّر, ولا بُدَّ لهذا المُخدّر من حِقنة, حينما يتألمُ الطفلُ, يرفضُ أن يبقى جالساً, وقد يصيح, وقد يتكلّم كلاماً غيرَ لائق, لماذا؟ لأنهُ لا يعرِفُ أنَّ الطبيبَ يعملُ لِصالِحهِ، ولا يعرِفُ أنَّ هذه الإبرة بعدَ قليل سوفَ تُنسيهِ الألمَ الطويل.
        ماذا يُساوي الرِضا؟ العِلم، كُلما كانَ عِلمُكَ باللهِ أكبر, كانَ رِضاكَ عنهُ أشد, وكُلما كانَ هُناكَ جهلٌ باللهِ عزّ وجل, كانَ معَ الجهلِ سُخط, يُمكن أن نجمعَ بينَ العِلم والرِضا, وبينَ الجهلِ والسُخط، والإنسان حينما تُكشفُ لهُ الحقائق, وحينما يظهرُ لهُ أنَّ كُلَّ أفعالِ اللهِ حكيمةٌ ورحيمةٌ وعادِلةٌ, وأنهُ لم يرضَها في حينِهِ, وأنهُ سَخِطَ على اللهِ مِنها, عندئذٍ يتألّمُ أشدَّ الألم، لذلك: عليكم بالعِلم, لأنَّ العِلمَ وحدَهُ طريقُ الرِضا، وطريقُ المعرِفة، وطريقُ السكينة، وطريقُ كُلِّ ثمراتِ الإيمان التي نصَّ عليها القرآن.
 

الإيمان الحقيقي :


        النبي -عليهِ الصلاة والسلام- يقولُ في حديثٍ صحيح:
        عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: 

(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ))

[ أخرجه مسلم والترمذي في سننه ]

        تجد أشخاصاً كثيرين, عِندَهم حالةُ سُخطٍ صعبةٍ جدّاً, هذه الحالة سببها الجهل، قد يرى أنَّ الأرض يَعمُ فيها الظُلم, وأنَّ القوي يأكلُ الضعيف، وأنَّ الأرض مُقبلةٌ على جفافٍ في المياه ونقصٍ في الغذاء, وأنًّ البشرَ سوفَ يذوقونَ الأمرّين, هكذا يقرأ في المقالات، كُل هذه المقالات التي تُسطّر, تُسطّر في غفلةٍ عن اللهِ عزّ وجل, كاتِبُها غافل، كاتِبُها لم يقرأ القرآن، كاتِبُها لا يعرف الله عزّ وجل, لذلك: مرَّ بِنا البارحة في أحاديث درسِ الفجرِ: 
        أنَّ من أكبرِ الكبائر: أن تيأسَ من رَوحِ الله.
        من أكبر الكبائر: اليأسُ من رُوحِ الله كُفر.  
        بالمناسبة: الإنسان حينما يستمع إلى أهلِ الضلال, إلى أهلِ الدُنيا, إلى المُشككين, إلى السوداويين, حينما يرسمون لكَ مستقبل العالم, على أنهُ مُظلم, وعلى أنَّ القوي سيأكُلُ الضعيف, وعلى أنَّ الفقير سيزدادُ فقراً, وعلى أنَّ الحروبَ القادمة حروبَ مياه, وعلى أنَّ النبات لن يُطعِمَ أهلَ الأرض, هذا كُلُهُ كلام أهل الدُنيا وأهل الكُفر، هذا الكلام يبعثُ في النفسِ السُخط والضيق والقلق, لكنكَ إذا آمنتَ باللهِ ربّاً. 
        ما معنى ربّ؟ ربّ بيدهِ كُلُ شيء، آمنتَ بِهِ إلهاً, هوَ المُسيّر, وهوَ الذي يستحقُ العِبادة, وآمنتَ بهِ ربّاً, هوَ المُمِد, وهوَ الحكيم الذي يُربّي كُلَّ شيء, ومن ضِمنِ تربيتهِ النفوس البشريّة يُربيها.
        في العيد الماضي زارنا في المسجد رجل من أهل العِلم الدنيوي, فقالَ لي كلاماً: أيها الأخوة ؛ إذا استوعبتُهُ كما أراد, ليسَ بإمكاني أن أقف على قدميّ، يتحدّثُ عن الجفاف الذي أصابَ مِنطقة دمشق, وأنَّ منسوبَ المياه قد تدنّى كثيراً, وأننا مُقبِلونَ على جفافٍ عام, وأنَّ حوضَ دِمشق آيلُ إلى اليباس, وجاءني بإحصائيات, وأدلّة, وأرقام, ودراسات, ومتوسط الأمطار, فكيفَ فوجِئنا في العام الماضي بأمطارٍ تزيدُ عن ثلاثمائة وسبعين ميليمتر, مقابل 80 أو 120 ميليمتر في الأعوام الماضية؟ أينَ كانت هذه؟ هذه مُفاجآت ربُنا عزّ وجل، هذا التشاؤم والسوداوية والنظرة غير المُتأنيّة, هذه ربُنا عزّ وجل يُبددُها:

﴿  أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) ﴾

[ سورة لقمان ]

        وأمطارُ العام من آيات الله الدالّة على عظمَتِهِ، لكنّكَ إذا ظننت أنَّ المطرَ وحدَهُ حلَّ كُلَّ المُشكلات, يأتيكَ مطرٌ في وقتٍ غيرِ مُناسب فيُتلِفُ المحاصيل، لا تعبُدِ المطرَ دونِ الله, اعبُد اللهَ عزّ وجل، فالمطر في غيرِ وقتِهِ يُتلِفُ كُلَّ المحاصيل، فلذلك اسأل اللهَ السلامة والرِزق, فهل رضيتَ باللهِ ربّاً؟ 
        أحياناً تستمع إلى أنَّ هذه الجِهة مَلَكت العالَمَ كُلَهُ, وسوفَ تُذِلّهُ جميعاً, من قال لكَ: أنَّ هذا يدوم؟ هذا خِلاف السُنّة: 

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) ﴾

[ سورة البقرة ]

        وضع استثنائي لا يستمر، إنَّ جِهةً واحدة في الأرض تتحكمُ بالعالمِ كُلّهِ, وتُذِل العالمَ كُلَهُ, هذا شيء لا يستمر, لكن امتحان، كُلُ إناءٍ ينضحُ بما فيه ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضيَّ باللهِ ربّاً وبالإسلامِ ديناً)) .  
       أحياناً الإنسان يستحيي بإسلامِهِ، هل يرى أنَّ إسلامهُ ناقص؟ في أشياء صعب تطبيقُها, مُحرِجة, لا تُصافح, ماذا أقول لها: أنا موظف؟ لمّا أنتَ تستحي بأوامر ربنا عزّ وجل ، عندما تستحيّ بالنواهي وتستحي بالتشريع, لا تراهُ كامِلاً، لا تراهُ تامّاً، لا تراهُ يتناسبُ معَ هذا العصر, معنى هذا أنكَ لم ترض بالإسلامِ ديناً, يجبُ أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً، يعني هل رضيتَ بسُنتِهِ؟ هل تعتزُّ بسُنتِهِ؟ يعني أمَرَكَ أن تفعلَ كذا, وتفعلَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, هل أنتَ في مستوى سُنتِهِ؟.
        إذاً: أحدُ علاماتِ إيمانِك: أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً.
 

لي عِندكم سؤال:


       تذوقُ طعمَ الإيمانِ, فترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً, أم ماذا؟ أيُهُما أول؟ انظر: ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولا)) ، يوجد حديثان: حَدَث الرِضا وحَدَث ذوق طعم الإيمان؛ أيُهُما أول؟ إذا رضيتَ باللهِ رباً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى اللهُ عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً, عندئذٍ تذوقُ طعمَ الإيمان، صار معنى الحديث: أنهُ من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ نبياً ورسولاً, ذاقَ طعمَ الإيمان، فجاءَ النبي بصيغةٍ فيها تقديم وتأخير, وطبعاً التقديم والتأخير في العربيّة وارد, وهوَ من البلاغة التقديم والتأخير.
        وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام في حديثٍ رواهُ مُسلم: 
        عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: 

(( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ  ))

        الحقيقة: عندما يرضى بالله رباً يستقيمُ على أمرِهِ، وبالإسلامِ ديناً يتبّعُ أحكامَهُ، وبمحمدٍ نبيّاً يقتدي بِسُنتِهِ، إذاً: ليست لهُ ذنوب, عندئذٍ تُمحى ذنوبُهُ وتُقبَلُ التوبة.
        في نقطة دقيقة في الموضوع: الرِضا كسبيّ كما قُلت قبلَ قليل, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ رضيتَ عنه.
        يعني إذا كان طفل صغير, رأى صديقَهُ يتلقّى ضرباتٍ من والِدهِ, يقول هذا الطفل الصغير: هذا الأب ظالم، أمّا إذا كُنتَ أباً, وتعرِفُ مشاعِرَ الأب تجاهَ ابنِهِ, وحِرصَهُ على أخلاق ابنِهِ, وحِرصَهُ على مستقبل ابنهِ, ورأى ابنَهُ منحرِفاً قليلاً فأدّبَهُ, فالأب يُفسّر التأديب لا على أنهُ ظُلم, ُفسّرُهُ على أنهُ رحمة وحِكمة وعدل وحُب وتربية، فكُلما ارتقى مستواكَ الإيمانيّ ارتقى مع مستواكَ الإيمانيّ رِضاكَ عن الله عزّ وجل. 
        لذلك قالوا: من رضي عن ربِهِ فقد عَرَفَهُ, ومن عَرَفَ ربَهُ رضي عن ربِهِ.
        يعني الرضا عن الله علامة معرِفة, ومعرِفةُ الله عزّ وجل تُثمِرُ الرِضا, علاقة تقابِل.
        في نقطة دقيقة: هوَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى حينما خلقَ العِباد خلقَهم ليُسعِدَهُم, إذاً: هوَ أحبَّهُم, لكن حينما هُم يستقيمونَ على أمرِهِ, ويعبدونَهُ حقَّ العِبادة, ويُحبونَهُ يُحِبهُم محبةً أُخرى ، واحد كرّمَ ابنَه دليل محبته, أمّا حينما يكونُ هذا الابنُ بارّاً بأبيه, يأتي حُبٌ آخر حُبُ البِرّ, هُناكَ حُبُ النبوة وهُناكَ حُبُ البِرّ.
        لذلك: أنتَ حينما ترضى عن اللهِ عزّ وجل, يرضى اللهُ عنك, لأنكَ رضيتَ عنه، يعني أجمل موقف أنهُ عبد مؤمن, تأتيهِ مُصيبة, فيُخاطِبُ اللهَ عزّ وجل, يقول: يارب إني راضٍ عنك.
 

قصة مؤمن راض عن الله :


        حدثني أخ في مستشفى: جاء مريض معهُ ورم خبيث في أمعائه, وقد سمِعتُ أنَّ لهذا المرضِ آلاماً لا تُطاق, لأنهُ آلام الأمعاء آلام ضغط:

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) ﴾

[ سورة محمد ]

        آلام الأمعاء لا تُطاق, فإذا كان في الأمعاء ورم خبيث, فإنهُ يُسببُ آلاماً لا يحتملُها أشدُ الرِجالِ جَلَداً، فجاء مريض مؤمن إلى مستشفى, وقد أُصيب بمرضٍ خبيثٍ في أمعائِهِ, والآلامُ التي يُعانيها لا تُطاق, وصفَ أحدهم حالتهُ, كانَ يُمسك بِكِلتا يديه على أطراف السرير, لِئلا يصيح, لأنهُ يرى في الصياحِ تبرّماً بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فكُلما دخلَ عليهِ من يعودُهُ أو الطبيب أو المُمرض, يقول لهُ: اشهد أني راضٍ عن الله.
        يعني أكمل موقف يقفُهُ المؤمن إذا جاءهُ ما يكرهُهُ, يقول: يا رب أنا راضٍ بقضائِك ، يا ربي لكَ الحمدُ والشُكرُ والنِعمةَ والرِضا، فلذلك: الصبرُ عِندَ الصدمةِ الأولى, بينَ الساخط والراضي زمن فقط, لأنَّ الساخط بعدئذٍ سوفَ يرضى شاء أم أبى, لكنَّ البطولة أن ترضى عن اللهِ عزّ وجل عِندَ الصدمةِ الأولى، حينما يتلقّى نبأ الرسوب, وكانَ قد بذلَ جُهدَهُ الجهيد, يا ربي لكَ الحمد, هكذا اخترتَ لي، حينما يتلقى أنَّ اسمهُ لم يُدرج بين الناجحين في هذه المُسابقة لهذهِ الوظيفة, يقول: يا رب رضيتُ بِكَ ربّاً وبِقضائِكَ وبقدرِك.
 

العُلماء قالوا: الرِضا بابُ اللهِ الأعظم.


               يعني أنتَ بالرِضا تدخُلُ على الله, وبالسُخطِ تحتجبُ عنه, وراقبوا أنفسَكم، إذا الإنسان جاءتهُ قضية مُزعجة, فرأى أنَّ الله قد ظلمهُ بِها, يجب أن يُيسرهُ لها, فلم يُيسرهُ لها, الله حرمهُ إياها، الله أهانهُ، هذا الشعور يحجُبُهُ عن الله عزّ وجل, لهذا الله عزّ وجل يقول:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّ ا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) ﴾

[ سورة الفجر ]

        يعني: يا عِبادي ليسَ عطائي إكراماً, ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء.
        الذي أرجوهُ من أخوتنا الأكارم, إذا شيء لم يصح لكَ, الله عزّ وجل صَرَفَ عنك شيئاً تبتغيه, لا تُحس أنكَ مُهان عِندَ الله عزّ وجل, هذا شعور شيطاني, الله لا يحبُني، لم يُعطن، حَرَمَني، أعطى فُلان وحَرَمَني، هذا الشعور شعور شيطاني. الحديثَ النبوي الشريف:

(( إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يحمي عبدَهُ المؤمِنَ من الدُّنيا كما يحمي أحدُكُم مريضَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ ))

        وفي رواية: 

(( إنَّ اللهَ يَحمي عبدَه الدنيا ، كما يَحمي الرَّاعي الشفيقُ غنمَهُ عن مراتعِ الهَلَكَةِ ))


        ولن تعرِف اللهَ عزّ وجل إلا إذا استوى عِندَكَ؛ أن تأتيكَ الدُنيا أو أن تُزوى عنك.
        لذلك أجمل دُعاء دعاهُ النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الموطن, يقولُ عليه الصلاة والسلام: 
     

((   عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:  اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ, اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ, اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

[ أخرجه الترمذي في سننه ]

        أعطاك مالاً، ليكُن هذا المال مبذولاً في الحق، زوى عنكَ المال, ليكن الفراغ الذي نشأَ من حِرمانِكَ من المال في سبيل الله.
        أحياناً الإنسان يكون زواجُهُ ناجحاً جداً, طبعاً أكثر وقته مع زوجته، أحياناً يكون زواجُهُ غير ناجح, فيصبحَ عِندَهُ فراغ, يجلس في الغرفة وحده. 
        مثلاً: عِندُهُ فراغ ناتج من زواج غير ناجح, يا ربي اجعل هذا الفراغ في سبيلك، أنتَ مثل المنشار على الحالتين رابح، إن أعطاكَ اللهُ ما تبتغي فهوَ في سبيلِ الله، وإن زوى عنكَ ما تُحب فهوَ في سبيل الله, هذا حال المؤمن. 
     

((   حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ, فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ ))

        والحمد المشهور: 
الحمدُ للهِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سِواه
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: 
     

((   عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ, وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ  ))

[ أخرجه ابن ماجة في سننه ]

        قيل لأحد العارفين بالله: متى يبلُغُ العبدُ مقامَ الرِضا؟ قالَ: إذا أقامَ نفسَهُ على أربعةِ أُصول: يا ربي إن أعطيتني قَبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتَني أجبت.
        هذا مقام العبوديّة, أعطاك راضٍ، زوى عنكَ راضٍ، دعاك تستجيب، تركَكَ تعبُدُهُ.
        يعني في أشخاص عبيداً لله بل عبيد للأحوال, فإذا كان بالصلاة مسروراً فيُصلي، وإلا تركها, ما فيها شيء الصلاة, هذا جاهل جهلاً كبيراً، أنا أُصلي إن تجلّى اللهُ عليّ أو لم يتجلّ، إن تجلّى فهذهِ نفحة من نفحات الله, الحمدُ لله, وإذا لم يتجلّ أُصلي، أجلس للذكر إن وجدت في الذِكر تجلّ, الحمدُ لله, لم يحدث تجلّ, أنا واجبي جلست، صدق القائل:

أخلِق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتِهِ     ومُدمن القرعِ للأبوبِ أن يَلِجَا 

        إذا ربُنا عزّ وجل رآكَ جلستَ في الصُبح لتذكُر, أن تقرأ القُرآن, أو تُفكّر, فلم يظهر معكَ شيء, ففي اليوم التالي لا تجلس, يقول لكَ: مُقفلة, أمّا المؤمن يجلس, في نفحة الحمدُ لله ، ما في نفحة أنا أديتُ واجبي, إذا الله رأى إلحاحكَ وثباتك وإصرارك, عندئذٍ يفتحُ لكَ أبوابَ رحمتِه. 
        اللهُ عزّ وجل عزيز، على أول طلب لا يُجيب، من كانَ يرجو لِقاءَ اللهِ فإنَّ أجلَ اللهِ لآت, لآت: هذهِ للمستقبل، أنتَ طلبت، وألحت، واتخذت الأسباب، وفعلتَ موجِبات الرحمة, وعلى اللهِ الباقي, هذا الذي عليّ قد أنجزتُهُ. 
        فإخواننا الكِرام؛ أقول لكم هذا الكلام إن شاء الله بإخلاص: إذا إنسان ألزم نفسهُ بجلسة صباحية مع الله عزّ وجل, لا يجعل الجلسة متعلّقة بالحال, أخي لم أشعر بشيء, اجلس هذه الجلسة في كُلِّ الأحوال، لكَ جلسة ذِكر ولو ربع ساعة ألفين مرة الله، لكَ جلسة قرآن ولو خمس صفحات أو 10 أو 15 أو 20، لكَ ركعتين قيام الليل قبل الفجر، أنتَ اثبت على هذا أيام وأيام، أسابيع وأسابيع، بعدَ أن يراكَ اللهُ ثابِتاً, وبعدَ أن يراكَ اللهُ صادِقاً ومُتشبثاً ومُصرّاً ومُلحّاً وصابِراً, عندئذٍ يفتحُ عليك، الفتح لا يأتي من أول لحظة، من أول جلسة، وحينما تقبَعُ صباحاً في جلسةٍ معَ اللهِ عزّ وجل. 
        أيها الإخوة الأكارم؛ لا يعلمُ إلا الله ثِمارَها في أثناء اليوم، أول ثَمَرةَ تُحس أنكَ في حصن, بينكَ وبينَ المُخالفات مسافات بعيدة جداً, أمّا إذا لم يكُن لكَ جلسة مع الله صباحاً, تُحس أنكَ على الحافة, ممكن أن تغلط دائماً بكلامك، بحركاتك, بسكناتِك، كأنكَ على الحافّة, على حرف، أمّا إذا كان لكَ معَ الله جلسة ذِكر، جلسة تِلاوة، جلسة تفكُّر، جلسة صلاة، هذه الجلسة تنعكِسُ على نهارِكَ كُلّهِ، أولاً الحفظ، ثانياً سواد في التفكير، سلامة في القول، حصافة في القرار: 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48) ﴾

[  سورة الطور ]

        لذلك: لا تعجز ابنَ آدم عن ركعتين قبلَ الفجرِ أكفِكَ النهارَ كُلَهُ, إن أعطيتني قبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت. 
        الإمام الجُنيد يقول: الرِضا هوَ صحةُ العِلمِ.
        كما قُلت قبلَ قليل: علامة الرِضا العِلم, تعلم, انظر للراشد عِندَ طبيب الأسنان, طبعاً يتألم جداً حينما يتلقى المُخدّر, ومع ذلك يسكت ويشكُر الطبيب ويُعطيهِ الأجر، لأنهُ موقن أنَّ عملَ الطبيب لِصالِحهِ، فكُلما ارتقى عِلمُك ارتقى رِضاك.
        الآن: الرِضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يومَ القيامة، الرجاء والخوف يزول يوم القيامة، في رجاء يوم القيامة, واحد دخل الجنة كانَ يرجوها في الدُنيا فدخلَها, انتهى الرجاء، كانَ يخافُ النار فوقاهُ اللهُ مِنها, انتهى الخوف، فالخوف والرجاء حالانِ من أحوالِ أهلِ الدُنيا, لكنَّ الرِضا والمحبّة حالانِ مستمران إلى الآخرة, إلى الجنة. 
        في نقطة مهمة: في وهم كبير: يظُنُ بعض أخواننا أنَّ المؤمن العالي الذي إيمانُهُ كبير لا يتألّم للمصيبة، هذا كلام غير واقعي, هوَ يتألّم لكن لا يسخَطُ على الله، واحد ابنهُ مَرِض, يقال له: أخي أنتَ لو كان إيمانك قوياً تفرح, لا, الكلام غير واقعي, المرض مؤلم، الألم ألم. 
        النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ماتَ ابنُهُ ابراهيم, ذرفت بعضُ دموعِهِ, فقالَ أحدُ أصحابِهِ: 

(( يا رسولَ الله أتبكي؟ فقالَ عليه الصلاة والسلام –بواقعيّة-: إنَّ العينَ لتدمع, وإنَّ القلبَ ليخشع, ولا نقولُ ما يُسخِطُ الرب, وإنّا عليكَ يا ابراهيم لمحزونون ))

        فحتى الواحد يتوازن: ليسَ معنى الرِضا أن لا تتألمَ من المصيبة، المُصيبةُ مُصيبة, والمُصيبة مؤلِمة, والذي يتألّم ما فعلَ شيئاً خِلافَ الشرع، لكن هُناك ألم محفوف بالرِضا والتسليم لقضاء الله وقدرِهِ، وهُناك ألم محفوف بالسُخط، فالعالِم يتألّم ويرضى, والجاهل يتألّم ويسخَط, أمّا التألّم شيء واقعي. 
        ليست البطولةُ أن تنجوَ من كُلِّ مصائبِ الدُنيا, لا, لأنَّ اللهَ عزّ وجل شاءت حِكمتَهُ أن تكونَ الدُنيا محفوفةً بالمكاره.
        تكلّمت البارحة في درس الجُمعة: واحد كان في بيت, فيهِ رطوبة كبيرة جداً, تحت الأرض, وشمالي, فاشترى بيتاً في الطابق الثالث وقِبلي, فقال: الحمدُ لله الذي نجانا من الرطوبة والظلام, هوَ هذا الكلام كلام حمد, لكن فيهِ وصف لِما كانَ عليهِ من قبل.
      عندما قال أهل الجنة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34) ﴾

[  سورة فاطر ]

        ما معنى كلامِهم هذا؟ أنَّ الدُنيا مُركّبةٌ على الحَزَن، أساسُها الحُزن، لا يوجد مرحلة إلاّ فيها مشكلات، دخل طالب المرحلة الابتدائية, أيام يأخذ عِقابهُ لعدم كتابته الوظيفة، في الإعدادي يزحف، في الجامعة يُرسّبونهُ، في الزواج؛ في متاعب من أيام الخطبة حتى الزواج ، لا ينام حتى الصبح، أنجب أولاداً, ابنهُ حرارتهُ 41, يا ترى: التهاب السحايا, لا ينام الليل, لاحظ حياتنا كُلُها سلسلة متاعب, هكذا شاءَ اللهَ عزّ وجل, لأنَّ هذهِ الدُنيا أساسُها ابتلاء: 
        إنَّ هذهِ الدُنيا دار التواء لا دارُ استواء. 
        لاحظ الناس: أحدهم الله رزقهُ زوجة صالحة, لكن أولاده ليسوا أبراراً، وواحد بالعكس: أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ سيئة، واحد أولادُهُ أبرار وزوجتهُ صالحة لكن دخله قليل، واحد دخلُهُ كثير لكن ليسَ عِندَهُ أولاد، وواحد عِندَهُ أولاد كُثُر لكن فقير، وواحد أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ جيدة وغني وعِندَهُ عِلل في جِسمه، طبيعة الحياة الدُنيا مُركبّةٌ على الابتلاء: 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)  ﴾

[ سورة المؤمنون ]

        هكذا طبيعة الدُنيا، الإنسان متى يسعَدُ في الدُنيا؟ إذا عَرَفَ أنها مُركبّةٌ على الحُزن، صار حُزنُهُ متوقّعاً, هكذا الحياة. 
        مرة جاؤوا بطيّار, وقد قصفَ مدينةً, وأروهُ نتائجَ عملِهِ, فاجأب إجابة ذكيّة جداً, قال: هكذا الحرب، الحرب إلقاء ورود, الحرب إلقاء قنابل، فلمّا قيلَ لهُ هكذا فعلت، انظر إلى جريمتِكَ، انظر إلى هذهِ الأبنية، قال: هكذا الحرب.
        أحياناً تجد أخاً يعمل في التجارة مهموماً وخسائره كبيرة, نقول لهُ: هكذا التجارة، من قال لكَ: التجارة كُلُها أرباح؟ من قال لكَ؟ هذا كلام ساذج، كلام مُضحك، هكذا التجارة فيها متاعب، بالوظيفة متضايق, هكذا الوظيفة فيها قيود, لكن معها راحة بال إذا كان الدخل كافياً، هذهِ فيها راحة بال مع قيود، هذهِ فيها قلق وهمّ مع دخل غير محدود، كُل شيء لهُ ميزات ولهُ مساوئ.
        عِندك مركبة 3 طن, وزنُها مريحة جداً في السفر, لكن كُل 50 كيلو تحتاج إلى تنكة، وعند غيرك مركبة وزنُها 500 كيلو تعمل بالتنكة 350, ففكّرت وقلت: أنا أحتاج إلى سيارة وزنُها 3 طن وتعمل بالتنكة 350, هل أنتَ حالم؟ هذا شيء غير موجود بعالم السيارات، إذا أردتَ أن تتمتع بوزنها الشديد, فمصروفها كبير, وتتحمل الوزن الخفيف, فتوفّر بالوقود, هكذا الدُنيا: 
        من أحبَّ دُنياهُ أضرَّ بآخرته, ومن أحبَّ آخرتهُ أضرَّ بدُنياه.
        إذاً: ليسَ من شرطِ الرِضا أن تسعَد بالمصائب، الإنسان غير عاقل, إذا كان محروماً, أو توفي ابنه, وهو يقول: أخي أنا فرحان, ما هذا الكلام؟ الابن غالٍ لكن أنتَ تتألم, ولا تقل ما يُسخِطُ الرب, هذهِ حال الرِضا.
 

ثمرات الرضا :


        بعض ثمرات الرِضا: قيل للحُسين بنِ علي -رضي اللهُ عنهُما-, إنَّ أبا ذرٍ -رضي اللهُ عنهُ- يقول: الفقرُ أحبُّ إليَّ من الغِنى والسَقَمُ, المرض أحبُّ إليَّ من الصِحة، فقالَ: رَحِمَ اللهُ أبا ذر, أمّا أنا فأقول: من اتكلَ على حُسن اختيارِ اللهِ لهُ, لم يتمنّ غيرَ ما اختارَ اللهُ لَهُ.
        اللهُ أقامَكَ في وظيفة, يا ربي هذا اختيارُك, وأنتَ أعلم وأرحم, وتعلمُ ما يُصلِحُنُي وما لا يُصلِحُنُي.
        حالة المؤمن مع الله عزّ وجل استسلام، الله اختاركَ في عمل شاق, أخي أنا طبيب أعمل ليلاً نهاراً، أسعى في الساعة 2 والساعة 3 والساعة 4 والساعة 12 ومحروم أهلي وأولادي, اللهُ أقامَكَ طبيب, اختارَ لكَ أن تكونَ طبيباً, فأدِّ هذه المُهمّة كما أرادها الله.
        كلمة احفظوها أيها الإخوة ؛ من اتكلَ على حُسنِ اختيارِ اللهِ لَهُ, لم يتمن غيرَ ما اختارَ اللهُ لهُ.
        بعضُهم قال: طريقتي الفرح باللهِ والسرور بهِ بقضائِهِ وقدَرِهِ.
        قيلَ لِبِشر الحافي: الرِضا أفضلُ من الزُهدَِ في الدُنيا, لأنَّ الراضي لا يتمنى فوقَ منزِلته، الراضي رضي بما قضاهُ اللهُ لَهُ.
        أبو عثمان سُئل عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهمَّ إني أسألُكَ الرِضا بعدَ القضاء, فقالَ المسؤول: إنَّ الرِضا قبلَ القضاء عزمٌ على الرِضا, لكنهُ بعدَ القضاءِ هوَ الرِضا الحقيقي.
        أيام الإنسان يتوهّم لو أصابني مكروه أنا راضٍ, هذا افتراض, أمّا إذا أصابَكَ المكروهُ فِعلاً هُنا المِحك.
        قبل أن أحضر للدرس, زارني أخوان من الميدان مهنئين بالحج, قُلت لهم: اللهُ عزّ وجل ضمن الحج, يُعالج الحُجاج، قال: كيف؟ قُلت: أيام يكون في حاج معتمد على ماله, فطلب خيمة مُكيّفة مع ثلاث وجبات ساخنة وباردة, وخدمة ممتازة, وباص مُكيّف, هذا كيفَ يُعالج؟ يتوهُ عن خيمتهِ يومين, يكون في حاج آخر, انطلقَ إلى الحج, وهوَ يرى مكانتَهُ في بلدِهِ، لهُ اسم, اسم علمي، مالي، اقتصادي، رُتبة مثلاً، وظيفة، اللهُ يُلهم موظف صغير جداً في المطار أن يزدريهُ، الله عالج الحاج بهذهِ الطريقة. 
        أيام يكون الحاج مُفتقراً إلى الله عزّ وجل, فتجد الأمور تيسّرت أكرموه, والطريق سهل, والوقوف قليل, والبيت جاهز, والطواف سهل, والله ألهمَهُ بوقت ليسَ فيهِ ازدحام، الله عزّ وجل حتى الحُجاج يُعالِجُهم في الحج.
        في شخص قال: أنا لا أحُج إلا بأرقى مستوى، واحد معهُ مال, يجب أن تظهر نِعم اللهُ عليه, فاختار بِمِنى فندقاً فخماً, أقسَمَ بالله تاهَ عنهُ ثلاثةَ أيام، كُلُكم يعلم بالحج موضوع التيه بالحج وارد, تاهَ عنهُ ثلاثة أيام.
        فمن اتكلَ على مالِهِ ضلّ, ومن اتكلَ على قوتهِ ذلّ, ومن اتكلَ على اللهِ لا ضلَّ ولا ذلّ.
        أن يتكِلَ على غير الله عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل يسحبُ من تحتِ قدمهِ البِساط محبةً لهُ.
        ذهب أحدهم إلى الحج, هوَ في بلدهِ أحوال وإقبال وأوراد وأذكار وقيام الليل وإنفاق وخدمة الناس, متوقّع أنهُ سيجد بالحج تجليّات ونفحات ربانيّة بشكل غير معقول, لكن ذهبَ إلى هُناك, واعتدَّ بأحوالِهِ, فحُجِبَ عن الأحوالِ كُلِها في الحج، طاف، سعى, ما في شيء، عرفات ما في شيء، أينَ أحوالُهُ؟ عالجهُ الله بأن حَجَبَهُ عن الأحوال تأديباً لهُ، فممكن الإنسان أن يتعالج بأن يحجُبَ الله عنهُ الأحوال، إذا كان قد ظنَّ بأنَّ مكانتهُ كبيرة يتعالج عِندَ شخص يزدريهِ أحياناً، إذا كان مُعتمداً على ماله يضعَهُ في مُشكلة المال لا يحُلُها، يوجد في الحياة آلاف المشاكل. 
        شخص قال كلمة, قُلتُ في نفسي: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها, قال: كُل شيء بالمال يُحلّ, هذهِ كلمة كبيرة جداً، اللهُ في عِندَهُ مليون مصيبة, مليار مصيبة, لو معك ألف مليون لا تساوي شيئاً.
        أنا كُنت عِند طبيب صديق, جاءهُ هاتف, يقولون بالحرف الواحد: أيّ مكان بالعالم مهما كان الرقم بالملايين, قالَ لي: والله ما في أمل، الورم الخبيث بلغ الدرجة الخامسة, لا تُتعبوا أنفسكم، أيّ مكان بالعالم مهما كان المبلغ كبيراً لن يفيد، فإذا الإنسان قال: كُل شيء يُحل بالمال, هذهِ كلمة كبيرة، أنا أقول: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها، عقابيلها التأديب.
        فالرِضا الحقيقي متى: قبل أم بعد؟ بعد, قبل توقّع هذا رِضا افتراضي, أمّا الحقيقي بعد.
 

تعريف الرضا :


        من تعريفِ الرِضا قال: الرِضا ارتفاعُ الجزعِ في أيِّ حُكمٍ كان.
        من تعريف الرِضا: رفعُ الاختيار.
        اللهمَّ خِر لي واختر لي، الراضي يعيش بسعادة كبيرة جداً، يعني يتمثّل قولَهُ تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(111) ﴾

[ سورة التوبة ]

        أحدهم باع البيت، المشتري أحبَّ أن يُزيل حائطاً، لماذا تُزيل الحائط؟ ألم تبع أنتَ البيت؟ ما دام بِعت فالمشتري حُر، فأنتَ بِعت واللهُ اشترى, أحبَّ أن يُعطيك، أحبَّ أن يمنعك، أحبَّ أن يُسرِّك، إذا أنتَ فعلاً بعت, فالبائع ليسَ لهُ حق أن يتدخّل مع المشتري, الله اشترى.
        تعاريف الرِضا: استقبالُ الأحكامِ بالفرح، ومن تعاريف الرِضا: سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام.
        وكتبَ عُمرُ بنُ الخطاب -رضي اللهُ عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي اللهُ عنهُما-: أمّا بعدُ؛ فإنَّ الخيرَ كُلَهُ في الرِضا, فإن استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبر.
        آخر شيء في الرِضا: الرِضا أقسامٌ ثلاث :
1- رِضا العوام بِما قَسَمَهُ اللهُ وأعطى .
2- ورِضا الخواص بِما قدّرَهُ وقضاه .
3- ورِضا خواصّ الخواص بهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه . 
        سيدنا الصِدّيق ما نَدِمَ على شيء فاتَهُ من الدُنيا قط, فينبغي أن ترضى بِما قَسَمَهُ الله لك، وينبغي أن ترضى بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وينبغي أن ترضى باللهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه.
        إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي.

و الحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور