وضع داكن
23-04-2024
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 085 - الوقت
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

منزلة الوقت :


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الخامس والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإيّاك نستعين، والمنزلة اليوم هي منزلة الوقت، ولا أُبالغ إذا قلتُ: إنّ الوقت أخطرُ شيءٍ في حياة الإنسان, لأنّه رأسُ ماله الوحيد، ولأنّه أثمنُ ما يملك، بل إنّ الإنسان هو وقت، هو بضعةُ أيّام، كلّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.

 

تمهيد :


مفهوم الزّمن مفهوم دقيق ومعقّد، الله سبحانه وتعالى خلق الكون، وجعلهُ متحرِّكًا، قال تعالى:

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾

[ سورة يس ]

 والزمن هو البعد الحركي الرابع للأشياء، فالنقطة إذا تحرّكت رسمت خطاً، والخطّ إذا تحرّك رسمَ سطحًا، والسّطح إذا تحرّك رسم حجمًا، والحجم إذا تحرّك شكَّل وقتًا، فكلّ شيءٍ متحرّك يتحرّك ضمن زمن.

بِمَعنى آخر: أنّ الحدث الشيء الذي يقع, لا بدّ له من مكان يحويه، فالإنسان لا يمكن أن يتصوّر حدثًا بلا مكان، يقول لك: فلان هدم بيته، أين بيته؟ فلان مرض ابنه، أين يقيم ابنه ؟ فكلّ حدثٍ يحتاج إلى مكان، كما أنّ كلّ حدثٍ يحتاج إلى زمان، مكان يحويه، وزمان يضمُّه ، وكلّ حدثٍ يحتاج إلى محدث، وكلّ حدَثٍ يحتاج إلى غاية، فالإنسان لا يفهمُ حدثًا بلا غاية، فالحدَث له مكان زمان ومُحْدِث وغاية, الزّمن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان لأنّه وعاء عمله.

انظر إلى إنسانٍ يملك الملايين في أوربا وأمريكا أغنياء بأرقام فلكيّة، سبعةٌ وتسعون مليار دولار يملكها شابّ في الثانية والأربعين, هذا لو جاءتْهُ المنيّةُ فجأةً ما قيمة هذا المال؟ الوقت أهمّ من المال، والدليل:

أنّ إنسانًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال, وهناك جهة في بعض البلاد الغنيّة, يمكن أن تُجرى له عملية في هذا البلد، لكنّ كُلفة العمليّة بِثَمن بيتِهِ, لا يتردَّد ثانيةً واحدة في بيع البيت, وإجراء العمليّة، ذلك لأنّه مركَّبٌ في أعماقه؛ أنّ الوقت أثْمن من المال, يبيعُ بيته الوحيد الذي لا يملك غيره ليُجريَ هذه العمليّة التي يتوهَّم أنَّها تُمِدُّ في أجله بضْع سنين، هكذا الإنسان.

وكلّنا نعلم أنّ الإنسان إذا أمْسكَ مئة ألف ليرة وأحرقها أمامك, تحكمُ عليه بالسَّفه والجنون والخلل العقلي قطعًا، لأنّ إتلاف المال يُعدّ سفاهةً، وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) ﴾

[ سورة النساء ]

 وبما أنّ الإنسان إذا أتلف مالهُ يُعدُّ سفيهًا، فإذا أتلف وقتهُ فهو أشدّ سفاهةً, فالعاقل يرشّد استهلاك الوقت، كما قال الله عز وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾

[ سورة المؤمنون ]

 عن عملٍ لا قيمة له، عن حديث فارغٍ، عن متعةٍ رخيصةٍ، عن مناقشةٍ لا جدوى منها ، عن خصومةٍ لا يعدّ المنتصر فيها منتصرًا، ولا المنهزم منهزمًا، وكم من قضيّة تافهةٍ تستهلك أوقات الناس؟.

 وقد مرَّ بعض الصالحين بِمَقهى, ورأى فيه أُناسًا يلعبون النَّرْد, فقال: يا سبحان الله! لو أنّ الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناهُ منهم.

إنّ المؤمن الصادق الذي عرف الله عز وجل، وعرف سرّ وُجوده, وغاية وُجوده، لا يجدُ شيئًا أثمن في حياته من الوقت، ينفقهُ بِتَخطيط دقيق، وحِرْصٍ شديد، ومُتابعةٍ دائمة، لأنّ الإنسان بضعة أيّام, كلّما انقضى يوم منه انقضى بضعٌ منه.

أليْسَت هذه منزلة من منازل مدارج السالكين؟ أين نجدُ معنى الوقت في القرآن الكريم؟ 

 

الآيات التي تشير لمعنى الوقت :

 

الآية الأولى :

في سورة العصر، يقول الله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ﴾

[ سورة العصر ]

 كيف يخسر؟ مُضيّ الزّمن وحدهُ يستهلكهُ، نحن جميعًا من دون استثناء ينقص عمرنا ، كلّ واحدٍ منَّا له نهاية ثابتة، ونحن متحرّكون نحو نهايةٍ ثابتة، كلّ ثانية، وكلّ دقيقة تقرّبنا من هذه النهاية الثابتة، إذًا نحن في خسارة، لأنّ مُضيَّ الزّمن يستهلكنا، هذا الشيء يتّضح, فيمن يستأجر بيتًا سياحيًّا, الأيّام تمضي سريعًا، أوَّل الشّهر وآخر الشّهر, الشّهر الأوّل والثاني والثالث والرابع والخامس ثمّ تفضّل! ينتقل إلى بيت آخر، يقول لك: مَضَتْ عليّ هذه الشّهور كلمْح البصَر.

فلو أنّ إنسانًا استأجر سيّارة, يمرّ الوقت معه سريعًا، فالوقت شيءٌ دقيق جدًّا هو أنت، ورأسُ مالك، ووِعاءُ عملك، والعاقل هو الذي ينفق وقتهُ إنفاقًا مرشَّدًا, إنفاقًا استثماريًّا لا إنفاقًا استهلاكيًّا، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

[ سورة العصر ]

 وقتٌ تُمضيه في معرفة الله, هو وقتٌ مستثْمَر وليس ضائعاً، وقتٌ تمضيه في معرفة منهجه, هذا وقتٌ مستثمَر ليس ضائعًا، وقتٌ تمضيه في العمل الصالح, وبِخِدمة الخلق، وفي رعاية الضعيف، وفي رعاية اليتيم، وفي عيادة المريض، وفي تعليم العلم، وفي الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقّد الفقراء والمساكين والبائسين، وإقامة بيوت الله تعالى، كلُّ عملٍ يفضي بك إلى الجنّة فعلهُ هو استثمارٌ للوقت، ثمّ كلُّ وقتٍ تتواصى بالحق به مع الناس هو استثمارٌ له، ومصيبة تأتيك وأنت صابرٌ عليها فتتحمّلها، فإنّ وقتَ هذا التَّحمّل مستثمر وليس ضائعًا، هذه السورة تُعَدّ أصلاً في موضوع الوقت الذي ورد ذكرهُ في القرآن الكريم. 

الآية الثانية :

هناك آيةٌ أخرى تُشير إلى معنى الوقت .

قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾

[ سورة البقرة   ]

الإنسان مخيّر، وهو يُوَلِّي وِجهته نحو الخير أو نحو الشرّ، نحو الحقّ أو الباطل، نحو المبدأ أو الشّهوة، نحو خدمة الناس أو استهلاك جُهودهم، خدمتهم أو استخدامهم، نحو إكرام الناس أو ابتزاز أموالهم، الوقت يجري، فاستبقوا الخيرات، قال تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) أنت في فرصةٍ ذهبيّة محدودة.

تصوّر إنسانًا يؤدّي امتحانًا لمادّة أساسيّة في سنة التخرّج والأسئلة كثيرة، هل يمكن أن يعبث بأشيائه؟

مثلاً: هل رأيتم طالباً في الأرض وهو على منضدة الامتحان يعبثُ بِساعته؟ أو يعدّ ما في جيْبِهِ من مال؟ مستحيل، هو في امتحان، وكلّ دقيقة متعلّقة بِمَصيره, وكلّ دقيقة متعلّقة بعلامة من علامات النجاح.

أنا أضرب لكم أمثلة في أوقاتٍ حرجةٍ، قضيّة وقت الامتحان، ووقت أداء امتحان شفوي، هو أيضاً وقت حرج، كلمة وسارعوا، الوقت كالسّيف إن لم تقطعه قطعَكَ، فالآية الكريمة: ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ) في أية مكانة أنت، أو في أيّ مكان أنت.

قال الشاعر:

لا تَأمَنِ المَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلاَ نَفَسٍ      وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَـــرَسِ

فَمَا تَزَالُ سِهَامُ الْمَوْتِ نَــــافِذَةً            فِي جَنْبِ مَدَّرِعٍ مِنْهَا وَ مُتَّـــرِسِ

أَرَاكَ لَسْتَ بِـوَقَّافٍ وَلاَ حـَـــذِرٍ              كَالحَاطِبِ الخَابِطِ الأَعْوَادَ فِي الْغَلَسِ

تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَـالِكَـهَا            إِنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَــبَسِ

إنسانٌ غارقٌ في عملٍ لا يُرضي الله تعالى فوافتْهُ المنيّة، هذه مصيبة، وإنسانٌ غارق في المال الحرام فوافتْهُ المنيّة، إنسانٌ غارقٌ في المباحات فوافتْهُ المنيّة، انتقل من كلّ شيء إلى لا شيء.

الآية الثالثة :

معنى ذلك:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾

[ سورة آل عمران ]

سارعوا: هنا فيها مَلْمَحٌ للوقت.

الوقت يمضي سريعًا، يوم، ثم أسبوع، ثمّ شهر، ثمّ سنة، وعَقْد، كلّ واحد منكم يسترجع بَعض ذكرياته سنة الثمانين، الآن نحن في سنة ألفين, كيف مضَت هذه السنوات العشرون؟ كلمْح البصَر.

أنا كنت مدير ثانويّة في إحدى المحافظات, دعاني أحدُهم إلى وليمةٍ في هذا المكان، مضى على عملي التدريسي والإداري في هذه الثانويّة ثلاثون عاماً، أكثر الطلاّب أصبحوا بسنٍّ كبيرة، بعضهم أطبّاء، وبعضهم في سلك الجيش، وفي سلك الشّرطة, ثلاثون عامًا كيف مضَتْ؟ بينما كنتُ في هذه البلدة مديرًا للثانويّة، وبعد زيارتي الثانية بعد ثلاثين سنة، كيف مضَت هذه الأعوام الثلاثون؟ كَلَمْح البصَر، فالوقتُ يمضي سريعاً، نحن كلّنا حاضرون، لكن ما بين غمْضة عينٍ وانتباهها, يُعلّق نعيُه على الجدران -رحمه الله تعالى- لقد كان صالحاً، لم تكن به علّة.

حدّثني أخ, فقال: أنا أُصلّي في أحد مساجد المزّة، وهناك أخٌ يصلّي معنا دائماً، لا يغيبُ ولا يوماً، لكنه ذو دعابة, وكلّ يوم له طرفة, ويُسمِعُنِي إيّاها في الطريق بعد انتهاء الصلاة، والبارحة خرجنا معاً من المسجد, وكان في حالة عادية جدًّا، بكامل صحّته وحيويّته ونشاطه، بكل تألّقه ومرحه، فَذَكَر بعض الطُّرَف, وذهبَ كلٌّ منَّا إلى بيته، ورأيته ظهراً في بعض مواقف السيارات بدمشق، أقْسَم لي بالله العظيم أنّه صلى عليه بعد العصر, كان معنا في المسجد فجراً، ولمحتهُ ظهراً في موقف السيارات، وصلَّيْتُ عليه صلاة الجنازة وقْت العصر، هكذا الدّنيا, الموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل.

ما رأيتُ أعقلَ من إنسانٍ يعمل لهذه الساعة التي لا بدّ منها، كلُّ ما تجمِّعهُ في الدّنيا تخسرهُ في ثانيةٍ واحدة إلا أن تكون تقيًّا:

(( واكربتاه يا أبتاه، قال: لا كرْب على أبيك بعد اليوم, غدًا نلقى الأحبّة؛ محمَّدًا وصحبهُ ))

إذًا: المعنى الثاني للوقت، هو قوله تعالى: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )  

 الآية الرابعة :

قوله تعالى:

﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾

[ سورة الحديد ]  

 الآية الخامسة :

قوله تعالى:

﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)﴾

[ سورة طه ]

جئتَ في الوقت المناسب، وفي الوقت الذي أنت في أشدّ الحاجة إلى المناجاة:( على قَدَرَ ) يعني في الوقت المناسب، لذلك قالوا: كلّ شيءٍ له أوان، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، كلّ شيء لهُ أجل، قال تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) ﴾

[ سورة العنكبوت ]

قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

[ سورة العنكبوت ]

إذا هناك وقت مناسب للعطاء، اُطلُبْ, واصدُقْ, وأخْلصْ، وألِحَّ في الدعاء، لكنّ الجواب يأتي بِحِكمةِ حكيم في الوقت المناسب.

أحياناً الإنسان يضْجر من بقائه عازباً بلا زوجة، ولكنّ الله عز وجل قد هيَّأ له امرأةً صالحةً تسرُّه إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعهُ إن أمرها، هيّأ له هذه الفتاة في وقتٍ مناسب، فالإنسان صابر، ويرضى بقضاء الله وقدره، فلو تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، قال تعالى: ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) أي جئتَ في الوقت المناسب، وقد قال بعض الشعراء:

 نَالَ الْخِلاَفةَ إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا    كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ

هناك معنى آخر: لمّا جاء موسى برسالة الله عز وجل, كان الناس أحْوَجَ ما يكونون إلى رسالته, وحينما جاءَتْ بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام-, كان الناس أحوَجَ إلى بِعْثته، وكلّ شيء يأتي في الوقت المناسب بتَقدير حكيم عليم، إذْ آن أوانُه.

 

بعض التعاريف للوقت :


قال: ظرف الكون، أي ظرف الفعل، وِعاء العمل، العمل يحتاج إلى مظلّة من وقت، وأرضيّة من مكان، وهذا في اللّغة العربيّة يُسمَّى ظرف مكان وظرف زمان, تقول:

جلسْتُ جنْب النَّهر، فإعراب جنب: ظرف مكان، وسافرت صباحاً، إعراب صباحاً: ظرف زمان, عندنا ظرف مكان وظرف زمان، لكن إيّاك أن تقول: متى كان الله تعالى؟! لأنّ الله خالق الزمان، فلا يُقال متى كان؟ ومتى لم يكن؟ الزمان من خلْق الله عز وجل، فأن تقول: متى كان الله؟ كلامٌ لا معنى له.

أحيانًا الإنسان يتورّط في تَساؤلاتٍ غير صحيحة، يقول لك: الله، هل يعلم ما سيكون ؟! الله يعلم ما سيكون يوم الخميس, هذا جعل الله قد احتواه الزمان، الزمان من خلْق الله عز وجل، لا يمكن أن يحْتويَ اللهَ شيءٌ، لا مكان ولا زمان، لذلك قالوا، -والقول منسوب إلى سيّدنا عليّ -كرَّم الله وجهه-:

 علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

بالمناسبة: شيءٌ بديهي أنّ الزَّمَن أقسامٌ ثلاثة: اللّحظة الراهنة -الساعة التي أنت فيها الآن- وزمنٌ مضى، وزمنٌ لم يأت، والحقيقة الخطيرة: أنّه ما مضى فات، ولا يمكن أن يُستردّ، ولا أن يستعاد.

 والعقلاء دائماً لا يفكّرون في الماضي إطلاقًا، كان البيت ثمنه ستّ آلاف ليرة، والآن ثمنه ستّة ملايين, ليتني أخذتُ بيتاً في ذلك الوقت، هذا الكلام فارغ، شيءٌ كان ولن يعود، ما مضى فات.

 يقول لك: أيام زمن البعثات سهل، ولو ذهبتُ لرجعْتُ بدكتوراه، وصرت في الجامعة، ما رضيتُ أنا حينها ويندم, الأغبياء دائمًا يتحسّرون، ويندمون، ويجترّون همومهم، ليس من صفة العاقل أن يبحث في ما مضى, فإنّ ما مضى فات, انتهى بِخَيره وشرّه، جملةً وتفصيلاً:

ما مضى فات، والمؤمّل غيب.

يقول لك: غدًا أبيع هذا القدر من العسل, فأشتري به قطيعًا من الغنم، أربّي هذا الغنم، ويتوالد ويكثر، وأبيعه فأُصبح غنياً، ثم أشتري بيتًا، وأخطب فتاةً جميلةً وأتزوّجها، وأُنجبُ أولادًا وسأؤدِّبهم تأديباً دقيقاً, فأمسك العصا وضرب بالقدر فسال العسل عليه، وطارَتْ كلّ أحلامه, هذا هو المستقبل:

ما مضى فات والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.

فلا نملك إلا هذه الساعة.

ورد في الأثر: أنّه هلك المسوّفون.  

المتخلّفون في الحياة دائماً يربط هممهُ العالية بِحَدَث مستقبلي لن يصل إليه، يقول لك: بعد أن أُنهي دراستي أُصلّي, علق بالجامعة اثني عشرة سنة، كلّ سنة بثلاث سنوات، ويقول لك: حتى أتزوّج أوّل الصّيف بِمَجيء رمضان:

هلك المسوّفون.

كلّ إنسان يربط توبته إلى الله بِزَمن مستقبلي, هو إنسان ضعيف الإرادة والشّخصيّة، يجبُ أن تتوب في لحظتك الراهنة، أما أن تقول غدًا، فالهمّة تبرد.

 

الدنيا ساعة اجعلها طاعة :


قال لي أحدهم: خدمْتُ إنسانًا لِوَجْه الله تعالى، فجاءني مساءً, ووضَعَ لي مبلغًا ضخمًا في ظرف, وقال لزوجته: هذا لفلان نظير خدمته، قال لي: ارتعدت فرائسي، وغضبتُ، وزمْجَرْتُ، ونويتُ توبيخهُ وتعْنيفهُ، وسأُلقي هذا المبلغ في وجهه لأنّه يحتقرني، أنا خدمْتُه لوجه الله، يُعطيني هذا المبلغ نظير خدمتي له، ألا يعرف نزاهتي وإخلاصي؟ في اليوم الثاني وجد نفسه أنّه قد برد، وثالث يوم, قلت: ربّما هذه طيبة نفس، ورابع يوم قلت: دعهم لي, قال : فجاء لصّ فسرقَ كلّ ما في البيت, فعرفْتُ الذَّنْب، هلك المسوّفون، لا تسوّف، نوَيْت أن تفعل الخير افْعَلْهُ فورًا:

ما مضى فات، والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.

لا نملك إلا هذه الساعة.

الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طمّاعة عوّدها القناعة.

 

 الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول:


صَحِبْتُ علماء القلوب، وانتفعتُ منهم بِكَلِمَتَين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن قطعتهُ وإلا قطَعَك.

ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك.-في أثناء الحجّ ما غبِطْتُ أناساً كما غبطْت الشباب في الحجّ، الطواف والسعي يحتاجان إلى جهد، والمتقدّم في السنّ يطوف ويسعى بشكلٍ صعب-.وصحّتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك

 

ريح الجنة في الشباب :


إنّ زوجي تزوَّجني وأنا صغيرة، ذات أهلٍ ومالٍ وجمالٍ وأولاد، فلمّا كبِرَت سنِّي، وذهب بطني, وتفرّق أهلي، وذهب مالي طلَّقني، كلّ إنسان لا بدّ أن يتغيّر، هو شابّ كله طاقة حيويّة ونشاط، تجد الشاب يصعد الدّرج وينزل في لمح البصر، أما المتقدّم في السنّ فيصعد درجة ويرتاح.

سمعتُ عن رجلٍ, كان شرسًا مع والده, يحملُ بغْلاً، ويصعد به في الدرج إلى أبيه، ويقول له: أعطني دراهمه وإلا ما أنزلتهُ لك، قال لي أحدهم: رأيتهُ في آخر حياته يرجو سائق الحافلة أن ينزلهُ قبل الموقف أمتار، لأنّه لا يستطيع المشي, فالإنسان يتغيّر ((اغتنم شبابك قبل هرمك)) هناك أشخاص يأتون إلى بيوت الله، ولكن في الثمانينات، ليتهم جاؤوا وهم شباب، ما من شيءٍ يحبّه الله كشابّ مؤمن، وما من شيءٍ أكرم على الله.

(( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده ]

 شابّ في مقتبل الحياة, يغضّ بصره، ويضبط لسانه، ويصلّي أوقاته، وينفق مالهُ، ريحُ الجنّة في الشباب، أمّا الآن: فتجد الرَّجُلَ أمضى حياته في المعاصي والآثام والغفلة والتّرَف والفجور، ولمّا دنا منه الموت جاء فصلّى، لم يعد له شيءٌ، فجاء إلى المسجد، ونحن نتمنّى أن نرى الشباب في المساجد, أن نرى الواحد في مقتبل الحياة يصطلح مع الله تعالى، ويُطيع الله عز وجل:

مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا

هناك كلام لطيف؛ وقد قيل: أنت بين خمسة أيّام: يومٌ مفقود وهو ما مضى، ويومٌ مشهود وهو ما أنت فيه، ويومٌ مورود وهو ساعة الموت، ويومٌ موعود وهو يوم القيامة، ويومٌ ممدود إما في جنّة يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، وأخطر هذه الأيّام الخمسة اليوم المشهود، ما أنت فيه.

الشاعر أحمد شوقي له بيت مشهور:

دَقَّاتُ قَلِبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ:    إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقُ وَثَوَانِ

القلب يدقّ فتوقّف، وانقطع نفسُهُ، جاء الطبيب ووضع المصباح في عينه فما تأثّر، ثمّ جاء بمرآة ووضعها على أنفه, فلا يوجد بخار ماء، أمسك بيدِه فلم يجد نبْضًا، حينها يقول: عظَّم الله أجركم, هل يوجد منّا من لا يصير إلى هذا الحال؟! القلب يضخّ في الساعة ثماني متر مكعّب من الدمّ.

إنسان عاش ستّين سنة تقريباً, يضخّ من الدمّ ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم, لكن عند الموت يصير من أهل الآخرة، وانتهى الأمر.

 

الوقت نسبي يطول ويقصر :


أيها الإخوة الكرام؛ رأى بعضهم الصدّيق -رضي الله عنه- في منامه, فقال له: أوْصني، فقال له: كُنْ ابن وقْتِك.

وقت الفجر في الصّلاة، أما في النهار فهناك عمل صالح، والليل في بيتك، كُنْ ابن وقْتِ.

بالمناسبة: هناك موضوع فرعي، الوقت نسْبي يطول ويقصُرُ، قال بعض الشّعراء الأندلسيّين:

إِنْ يَطُلْ بَعْدَكَ لَيْلِي فَلَـكَمْ     بِتُّ أَشْكُو قِصَرَ اللَّيْلِ مَعَكْ

دَقِيقَةُ الأَلَمِ سَــــاعَهْ      وَسـَاعَةُ اللَّذَّةِ دَقِيقَـــهْ

أكثركم يسهر مع شخصٍ يحبّه حباً جماً، يبدأ اللّقاء الساعة السابعة، وينتهي الساعة الواحدة ليلاً, كيف مضَت هذه الساعات الخمس أو الستّ؟ كلمْح البصَر، إذا كان هناك انتظار لسؤال وجواب، يمكن خمس دقائق تمرُّ كساعة, فالوقت يخِفّ على المؤمنين، ويثقل على الكافرين، قال تعالى:

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) ﴾

[ سورة غافر ]

من ستّة آلاف سنة، كلّ سنة ثلاث وخمس وستون يوماً، وكلّ يوم مرّتين صباح مساء ، كما قال تعالى:( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) فالإنسان المؤمن ينوِّرُ اللهُ عز وجل له قبرَهُ، والقبرُ إما حفرة من حفرِ النار، أو روضة من رياض الجنة، فَوَقْت العذاب يطول كثيراً، ووقت السرور يمضي سريعاً، إذا كان أحدُنا عند طبيب الأسنان ولا يتحمَّل قلبهُ البنج، وفي أثناء حفر السنّ وصل إلى العصب، فلو استمرّ الحفر دقيقة, لكان بالنسبة للمريض ساعة، دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذّة دقيقة، فالوقت يطول ويقْصُر.

كان أحد علماء دمشق الأجلاّء عنده معهد شرعي، الله عز وجل أمدَّ بعُمُرِه، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث:

(( عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ, أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[ أخرجه الترمذي في سننه ]

كان يرى الشابَّ في الطريق فيقول له: يا بنيّ، أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي, عاشَ سِتّةً وتسعين عاماً، وبدأ بالتدريس في الثامنة عشر، وتوفّي في الثامنة والتّسعين، ثمانون سنة في تدريس أجيال تلو أجيال، وكان منتصب القامة، حادّ البصر ، ومرهف السّمع، لم تسقط له سنٌّ وكان حيويًّا ونشيطًا، وإذا سئِلَ: ما هذه الصحّة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بنيّ, حفظناها في الصّغَر فحفِظَها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقيًّا عاش قويًّا.

وكلٌّ منّا يطمح أن يجعله الله في صحّة تامّة في خريف عمره، وهذا يحتاج إلى تقوى لله عز وجل واستقامة، وإنَّ هذه الجارحة إن حفظتها حفظها الله لك, والعين إذا بكَتْ من خشْية الله, فإنّ الله عز وجل يضْمنها لك أن تبقى سليمةً إلى نهاية الحياة، وكذا السّمع والأُذن واللّسان والبصر. 

والدعاء الشريف: 

(( عَنِ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ, حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ, وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ, وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا, وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا, وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا, وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا, وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا, وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا, وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا, وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))

 

الخلاصة :


أيها الإخوة؛ الوقت كالسّيف إن لم تقطعهُ قطَعَك، الوقت هو أنت، كلّما انقضى يوم انقضى بضْعٌ منك، الوقت رأسُ مالك الوحيد، الوقت أثْمَنُ شيءٍ تملكهُ، الوقت وِعاءُ عملك، والمؤمن يرشّد استهلاك وقته، ولا يستهلك وقته إلا فيما يُجْدِي، بل إنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا العمر القصير, ثلاث وستون سنة قلبَ وجْه الأرض، ونشر الحقَّ في المشرقين والخافِقَيْن، وفي أطراف الدنيا، لذلك أقسم الله بعُمُرِهِ, فقال تعالى:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) ﴾

[ سورة الحجر ]

و الحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور