وضع داكن
23-04-2024
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 087 - الدهشة
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

منزلة الدهشة :


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس السابع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الدهشة.

 

تمهيد :


أولاً : هذا الموضوع ما من مؤمن على وجه الأرض إلا وله منه معاناة، ذلك أن المؤمن لمجرد أن يصطلح مع الله، ويتوب إليه, ويقبل عليه, ويلتزم منهجه، يدخل في سعادة لا توصف، وكأن الأرض كلها لا تَسَعُهُ، من شدة السعادة التي يمتلئ بها قلبه، وهذا الكلام ينطبق على كل مؤمن، تعرف إلى الله, واصطلح معه, وتاب إليه, وأقبل عليه، هذه منزلة الدهشة.

لأقرّب لكم هذه المنزلة: إنسان يكون في حالة برد شديد, يكاد عظمه يتصدّع من شدة البرد، فإذا دخل بيتاً فيه تدفئة راقية، خلال عشر دقائق يشعر براحة لا توصف، لكن بعد عشر دقائق يألف هذا الجو الدافئ، الجو الدافئ هوهو لم يتغير، لكنه أَلِفَ هذا الجوَّ، فإذا توهم أن هذه السعادة التي حصلها حينما دخل هذا البيت فُقدت فهو واهمٌ، لكن تأثيرها فيه ضعف.

يقول سيدنا الصديق: بكينا حتى جفت مآقينا.

فكل واحد مع الله شهر عسل، في أول الأيام ساعات الإقبال، ساعات التوبة، ساعات  الإنابة, ساعات الدخول إلى عالم الإيمان، ساعات الطهارة, هي سعادة ما بعدها سعادة.

إنسان تاب إلى الله يقول: أنا بقيت عمراً مديداً أدخل بيتي بعد صلاة الفجر عائدًا من الملاهي، في أول ليلة تاب فيها إلى الله, استيقظ قبل صلاة الفجر، وكأن الدنيا كلها لا تسعه من شدة الفرح.

أقول لك كلمة صريحة: إن لم تشعر بهذا الفرح الذي لا يوصف, لأنك أصبحت عبدًا منيبًا لله، عبدًا طائعًا له، لأنك اصطلحت مع خالقك، لأنك أقبلت عليه، لأنك أخلصت له، إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبة، أو إن لم تقل: أنا أسعد الناس إلا يكون أحدهم أتقى مني، فهذا ضعف في الإيمان، لكن هذه المرحلة لا تستمر.

لنضرب مثلاً آخر: إنسان خطب فتاة، شاب مستقيم بعيد عن كل معصية، وكل انحراف، أيام الخطبة يقول لك: أنا أعيش في الجنة، يجلس معها ساعات طويلة, وهو في غاية الشوق, ساعات على الهاتف، بعد سنتين يأتي من عمله متعباً, لا تستطيع أن تكلمه كلمة، أين الساعات على الهاتف؟ الزوجة هي هي، شكلها هو هو، أخلاقها هي هي، و لكن ألِفَها، لك مع الله دهشة، و لكن الله عزوجل لو أبقاك في هذه الدهشة في شكل مستمر لا تعمل، بل تجلس، لأنك سعيد، لكن الله عز وجل لحكمة بالغة يحجب عنك هذه الأحوال، من أجل أن تقوم, وأن تسعى إلى الله عز وجل، والإنسان في أي لحظة يستطيع أن يستعيد أيام شبابه الروحي مع الله.

قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)  ﴾

[ سورة الكهف  ]

آيةٌ واحدةٌ واللهِ لو لم يكن في كتاب الله إلا هي لكفت، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا، أن تتصل به، وتقبل عليه، وتلوذ بحماه، تشعر أن الله يحبك، وأنك بعين الله عز وجل،  قال تعالى: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) فليكن عمله صالحاً، وليكن في خدمة الخلق.

مرة سمعت مناجاة فاهتزَّ لها قلبي: يا ربي لا يحلو الليل إلا بمناجاتك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك.

تجد المؤمن قد بنى حياته على العطاء، يعطي من ماله ووقته وعلمه وخبرته وجاهه ومكانته وإتقانه لبعض الحرف، هو يعطي من أجل أن يرضى الله عنه، بنى حياته على العطاء, والعطاء سمة أساسية في حياة المؤمن.

أنت أسال نفسك سؤالاً: ماذا أعطيت؟ وماذا قدمت لله عز وجل؟ وماذا قدمت للمسلمين؟ وماذا فعلت من فعل تلقى الله به، ناصع الجبين, مستنير الوجه؟ اسأل نفسك كل يوم, لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فالمؤمن بنى حياته على العطاء، والكافر بنى حياته على الأخذ, ولذلك الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، والأقوياء أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، والناس جميعا أتباع قوي أو نبي، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، وكل واحد من البشر تابع لقوي أو نبي، فإن كان تابعاً قوياً فسلاحُه قوَّتُه يقهر بها الناس، ويبتزُّ بها أموالهم، وإن كان سلاحُه كماله ملك قلوب الناس، والمؤمن سلاحُه الكمالُ، والكافر سلاحه القوة، والمؤمن يملك القلوب، والكافر يملك الرقاب، بالبر يُستعبد الحر.

قال تعالى: 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)  ﴾

[ سورة الليل ]

أعطى أعطى بشكل مطلق.

وفي علم الأصول: الفعل إذا غاب مفعوله أطلق مدلوله.

أعطى ماذا؟ أعطى كل شيء، لا يوجد إنسان على وجه الأرض ليس عنده ميزة، يقول الطبيب: أنا يمكن أن أعالج بعض المرضى الفقراء مجاناً لوجه الله، ويقول المحامي: أنا يمكن أن أدافع عن إنسان فقير لا يملك أجور المرافعة لوجه الله، ويقول إنسان معلم: أنا يمكن أن أعلم طالباً فقيراً لوجه الله. 

ومرة قال لي طبيب أسنان: جاءتني مريضة تعمل في حقل التعليم, ومقدَّمة أسنانها تالفة، فمظهر فمها حينما تبتسم أو تتكلم منظر غير مريح، وطالباتها لعلهنَّ يضحكنَ إذا انفرجت شفتاها، فجاءته لتصلح أسنانها، والمبلغ فوق طاقتها فاعتذرت، قال لي: أردت أن أقوم بهذا العلم لوجه الله، قال لها: لا عليك من الأجرة تعالي, قال لي: بقيت شهرين أو ثلاثة أصلح لها أسنانها، يقول هذا الطبيب: شعرت بسعادة لا توصف, لأن هذا العمل خالص لوجه الله، هكذا قال الله عز وجل: 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9) ﴾

[ سورة الإنسان ]

فأنت علامَ تبني إيمانك؟ الإيمانُ يبنى على العطاء، والكفرُ يُبنَى على الأخذ، هذا يذكِّرني أن النملة -كما قرأت عنها- فيها جهاز ضخ وجهاز مصّ، فإن التقت النملة الشبعى نملًة جائعًة, تعطيها من عصارة هضمها عن طريق جهاز الضخ، وإن كانت جائعةً تأخذ من رحيق أختها عن طريق جهاز المص، قلت: الناس رجلان: رجـل يستخدم جهاز المص دائماً، ورجل يستخدم جهاز الضخ دائماً, المؤمن يضخ دائماً والكافر يمص، يقول لك: مصَّ دمِي.

أحيانا الإنسان يبتزُّك, ويجعلك بقرة حلوباً, وهو لم يقدم لك شيئاً. قال تعالى: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) ومع إعطائه اتقى أن يعصي الله، أعطى واتقى، لكن هذا العطاء وهذا التقوى مبنيان على إيمان بالله، لأنه صدق بالحسنى، صدَّق أنّ الإنسان مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، صدَّق أنّ الإنسانَ مخلوقٌ للجنَّة، وأنّ ثمنَ الجنة الإحسان، قال تعالى: 

﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)  ﴾

[ سورة الرحمن ]

﴿ صدق بالحسنى واتقى أن يعصي الله عز وجل، وأعطى من كل ما أعطاه الله، المكافـأة العاجلة في الدنيا، قال تعالى:  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) ﴾

[ سورة الليل  ]

الأمور ميسرة، قال تعالى: 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)  ﴾

[ سورة الطور ]

الأمور سهلة: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً .

بالمقابل قال تعالى: 

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)  ﴾

[ سورة الليل  ]

هذا يسمونه في البلاغة المطابقة، قال الشاعر:  

فَتَرْفعُ بِالإِعْزَازِ مَنْ كَانَ جَاهِلاً       وَتَخْفضُ بالإِذْلاَلِ مَنْ كَانَ يَعْقِلُ

المطابقة معنيان متعاكسان: خير وشر، حق وباطل، ليل ونهار، أبيض وأسود، فإذا جاءت مجموعة معان تقابل مجموعة معان على التسلسل, هذه صارت مقابلة، قال تعالى:( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ) ، ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ) أعطى واتقَّى واستغنى، وصدّق بالحسنى وكذب بالحسنى، هذه في البلاغة المقابلة، الطرف الثاني بخِل أن يعطي، يستخدم جهاز المص فقط، يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً، واستغنى عن طاعة الله ولم يعبأ، ذنب المنافق كالذبابة على وجهه، وذنب المؤمن كالجبل جاثم على صدره:( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ) لم ير مبلغ علمه ومنتهى أمله إلا الدنيا. الآن: أول عقاب له في الدنيا، قال تعالى: ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) واللهُ عز وجل لحكمةٍ يريدها يُسقِط الإنسانَ من علوٍّ، انظر إلى هذا القانون:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)  ﴾

[ سورة الليل ]

هو حينما بخِل، وحينما استغنى عن طاعة الله, من أجلِ أن يجمعَ المالَ الوفيرَ، وحينما لم يعبأ بالآخرة, فلم ينفق منه شيئاً، من أجلِ أن تنموَ ثروته، قال تعالى: 

﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)  ﴾

[ سورة الليل  ]

فالإنسان ما جمّعه في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة.

 

منزلة الدهشة :


لكلِّ داخلٍ دهشةٌ، هذه الدهشةُ يذوقها كلُّ مؤمن، لكن هذه الدهشة لا تلبث أن تفتر، إن لكل شيء فورة، ثم هذه الفورة تهدأ، فمن هدأت فورته على طاعة الله فهنيئاً له، والإنسان يبكي في الصلاة، يبكي أثناء القراءة، ويأتي وقت هذه المعاني القدسية ألِفَها، والأحوال النفسية عاشها، وهو في طاعة الله دائماً، فالدهشة انتهت، فهناك أخ حينما ضعف تأثير هذا الحال عنده تراجع، لذلك هذه الدهشة وهذه الفترة ذاقها سيدنا حنظلة.

(( فَعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ!؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ  ))

[ أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه ]

وهذا من أدب الصديق الرفيع، الأدب الرفيع ألا تمدح نفسك في معرض إنسان شقي بنفسه, إنسان قال لك: عندي ولد متعب، لا تقل: الله يرضى عن ابني لا يوجد أبرَّ منه، وهذا كلام مزعج, إنسان شكا لك زوجته، لا تقل: أنا لي زوجة الله يرضى عنها، لا يوجد منها، هذا نوع من التحدي, المؤمن وهو في الدرس له حال عال، هو مع المؤمنين في مذاكرة علم، حال عالٍ هو في صلاته، في ذكره في تلاوته له حال، أما أحيانا دخل إلى بيته, ويريد أن يأكل، هذه الحال العالية غاب عنها، إذا غاب عنه حال, فهذا شيء طبيعي، لأن دوام الحال من المحال، وما سمي الحال حالاً إلا لأنه يحول ويتحول، العبرة أن تكون مستقيماً، والحال إن أتى فرحب به وإن غاب عنك وأنت مستقيم فلا تتأثر, لأن الله عز وجل يقلبنا ذات اليمين وذات الشمال.

مرة نجد في قلوبنا حالاً راقية نسعد بها، ومرة ننكر قلوبنا، العبرة أن تكون مستقيماً دائماً. 

لذلك أخطر شيء في الدين ما يطرحه العامة: من أنه ساعة لك وساعة لربك، ساعة له يعصي الله فيها وساعة لربك يطيع الله فيها، هذا مرفوض كلياً، لكن ساعة وساعة، أي ساعة إقبال وساعة فتور, ساعة تألق وساعة عادية.

كيف في الجامعة هناك مقبول، وهناك جيد، وجيد جداً، وامتياز، وشرف, في ساعة الفتور عند الله مقبول، وفي الساعة لربك هناك تألق وإقبال، فلذلك حالة الدهشة هذه تصيب كل مؤمن في أول الطريق، لكن بعد حين يألف الإيمان، ويألف القرآن، ويألف طاعة الواحد الديان، يألف أن يكون مستقيماً، ويألف أن يضبط بصره، ويألف أن يحرر دخله، ويألف أن يكون إنفاقه فيما يرضي الله عز وجل، فهذه النقطة دقيقة جداً، والحقيقة: 

ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة إلا آية واحدة تصف حالة الدهشة، قال تعالى: 

﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)  ﴾

[ سورة يوسف  ]

 

سر نجاح الدعوة :


زرتُ حاجًّا جاء فسألته عن شيء تأثر له، فقال لي: حينما رأيت الكعبة دُهشت  وبكيت, فاللقاء الأول مدهش، لكن اللقاء الثاني والثالث أقل دهشة. 

فأنا أطمئن الإخوة الكرام: أنه إذا كان يشكو ضعف أحواله مع دوام استقامته فلا ضير عليه، أما إذا كان هناك تقصير في الاستقامة، أو هناك خرق لحدود الله، أو هناك مخالفات، نقول له: هذا الحال الذي يزعجك هو انعكاس المعاصي.

على كلٍّ ورد عند بعض الصالحين: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله.

وورد أيضاً: أن قولَ واحدٍ في ألفٍ أبلغُ من قولِ ألفٍ في واحدٍ.

فالإنسانُ الموصول إذا تكلم يؤثر في ألف، وألف متكلم مقطوعين عن الله عز وجل لا يؤثرون في واحد، لذلك سرُّ نجاح الدعوة الإخلاصُ ، لذلك: 

هذا يقودنا إلى قانون آخر، وما أروع هذا القانون، قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)  ﴾

[ سورة آل عمران  ]

هذه الآية معادلة رياضية: أي يا محمد, بسبب رحمة استقرت في قلبك, من خلال اتصالك بنا كنت ليِّنا، فلما كنت ليِّنا التف الناس حولك, وأحبوك وانتفعوا بك، وفدوك بأرواحهم، ولو كنت مقطوعاً عنا لاستقر في قلبك القسوة، والقسوة تنعكس غلظة وفظاظة، ولانفض الناس من حولك، أين المعادلة؟

اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، فإن أردت أن يلتف الناسُ حولك فكن متصلاً بالله، حتى تستقر الرحمةُ في قلبك، حتى تنعكس لِينًا، حتى يألفك الناس, وقد قال عليه الصلاة والسلام: 

(( الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ ))

في قلبه رحمة متأججة، وكأن رحمة الله عز وجل هي مطلق عطائه.

(( الراحمون يرحمهم الله  ))

(( إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي ))

الراحمون في رضوان الله عز وجل، هذه واحدة.

عندنا حال الذي هو الدهشة، وعندنا علم، فدائماً العلماء قالوا: 

العلم حكَم على الحال.

لو أن إنسانا رأيته طليق الوجه، منبسط السرائر، حيوي المظهر، لأنه ارتكب معصية، العلم أقوى من الحال، هذه المعصية معصية ولها عقاب، وكان جاهلاً، فرح بهذه المعصية، فمن هو الحَكَمُ على الآخر؟ الحال على العلم أم العلم على الحال؟ العلم على الحال، والعلماء قالوا:

هناك حال شيطاني، -إذا الإنسان يبتغي أن يقترف معصية فيها لذة له، وتمكن من هذه المعصية تراه فرحاً، لكن الله عز وجل ماذا قال؟ قال:( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) عليك أن تفرح بالطاعة، وأن تفرح بالقرب من الله، لا أن تفرح بالمعصية- .

العلماء قالوا: هناك حال شيطاني؛ الحال السارة التي تأتي عقب معصية، هذه حال شيطانية، والكآبة التي تأتي عقب المعصية حال رحمانية، هذه الفطرة، أما السرور الذي يأتي عقب طاعة، هذه حال رحمانية.

فأنت انظر العلم هو الحكم، العلم دائماً وأبدا حكم على الحال، لا تعبأ بحال لا يغطيه العلم.

وأنا أقول لكم بصراحة: ممكن لإنسان في ذهنه رغبة جامحة لشيء لا يرضي الله، فإذا وصله تألق وجهه، حقق مراده، فالعبرة أن تفرح بطاعة الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)  ﴾

[ سورة القصص  ]

طغى و بغى، ونسي المبتدا والمنتهى، قال تعالى: ( وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) لا تفرح بما أوتيت من الدنيا فإن الله لا يحب الفرحين . 

قل ما الذي يفرحك, أقلْ لك مَنْ أنت؟.

المؤمن يفرح بطاعة الله، يفرح المؤمن إذا أجرى الله على يديه خيراً، والمؤمن يفرح أشد الفرح إذا وُفِّق لطاعة، وُفق لهداية إنسان، وُفق لفهم كتاب الله، وفق لشرح كتاب الله، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: 

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ  ))

[ أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما ]

والكافر يفرح لأنه ملَك الدنيا.

 

الفرق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية :


أحد زعماء بريطانيا له كلمة، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا .

لذلك علَّق بعضهم: على أن الحضارة الإسلامية حضارة ضبط الذات، بينما حضارة الغربيين حضارة السيطرة على الطبيعة، والمسلم مسيطر على ذاته.

هناك حماقات وجرائم يرتكبها الكفار، وهذا تحت سمعكم وبصركم، يندى لها الجبين.

مرة قرأت مقالة في مجلة أصيلة، عن بيع العبيد في أمريكا، تأتي البواخر إلى أفريقيا, ويسوقون العبيد سوقاً بقوة الحديد والنار, ويضعونهم في عنابر البواخر مقيدين بالسلاسل، ويموت نصفهم في الطريق، ويبقى الميتون إلى جانب الأحياء طوال الطريق إلى أمريكا، إلى أن تتفسخ جثثهم، يأخذونهم ليعملوا في الحقول بلا مقابل، بعد ما قرأت هذه المقالة، استعباد العبيد من أفريقيا، خجلت من أن أنتمي إلى الجنس البشري، الكافر قلبه كالصخر، وحش، قال تعالى: 

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)  ﴾

[ سورة الشعراء ]

وليس بعيداً عن سمعكم وأبصاركم ما يجري في العالم اليوم، مئات الألوف في أفريقيا الجنوبية تم ذبح خمسمائة ألف في يوم، راوندا، وفي كوسوفو، وفي البوسنة، وفي ألبانيا، وفي الشيشان، يقولون: تطهير عرقي.

من علامات قيام الساعة: موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لِمَ يقتل ولا المقتول فيم قتل؟.

لما فتح الفرنجةُ القدسَ، سبعون ألف إنسان ذُبحوا في ليلة، لما سيدنا صلاح الدين -رحمه الله تعالى- فتحَ القدسَ، جاءته امرأة ضاع ابنُها، بقي واقفاً إلى أن أعادوا لها ابنها، وما ظلم واحدًا، ولا أخذ جنديٌّ من إنسان حاجته، بل إن هؤلاء الذين خرجوا من القدس سُمح لهم أن يبيعوا حاجاتهم بأثمانها.

هكذا الإسلام:

(( الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن. ))

تصور ما جرى في البوسنة والهرسك، وما جرى في ألبانيا وكوسوفو، وما جرى في الشيشان، لو أن المسلمين ملكوا، لا يفعلون شيئاً من هذا القبيل, المؤمن مقيّد بمنهج.

قيل: يا رسول الله مثِّل بهم فقد مثّلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي. 

ولو كنت نبياً هناك إله، وهناك أمر ونهي، وهناك حق وباطل، وهناك شيء يجوز ولا يجوز، المؤمن يعيش منظومة قيم، ويحلو لي أن أشبّه الإنسان الكافر بدابة متفلتة، أما المؤمن فمنضبط بمنهج الله، فأنت سعادتك أن تكون منضبطاً، في حياتك محرمات، أنت لست تتحرك كما تتمنى.

 

من الأحمق؟.


هناك شخص يعمل في تصليح السيارات, ولي قريب كان جاراً له، جاء شخص بسيارة جديدة جداً وفيها خلل، الذي جاءه أدرك أنّ صاحب السيارة جاهل، وحريص على سيارته، فحصها, فقال له: في المحرك خلل كبير، تكلفك عشرة آلاف ليرة، صاحب السيارة لا يعرف أن يناقشه، قال له: أصلحها، يقول لي قريبي وهو جار له: أصلحها في خمس دقائق، لا تكلف إلا مائة ليرة، أول يوم أخذ أهله إلى الزبداني بها، وثاني يوم ذهبوا إلى المطار، وثالث يوم إلى وادي بردى، في رابع يوم جاء صاحب السيارة استلمها ودفع عشرة آلاف ليرة، قال لي: دفعها نقدا وعدًّا، لكن هذا المصلح ذكي جدا، ذكر له أشياء معقدة في المحرك، وخوّفه ووهّمه، وابتز ماله ودفعه، فقال له قريبي: أيُعقَل ما فعلت؟ فقال له: هكذا أصول العمل، وهو يضحك ومسرور، عشرة آلاف مع ثلاث نزهات بها، وكان له ابن يعمل في مخرطة, تدخل ذرة فولاذ في عينه في القرنية، أخذه على لبنان، كلَّفته العملية ستة عشر ألف ليرة لبنانية، والليرة اللبنانية مائة وستون قرشاً سورياً، يقرب من خمسة وعشرين ألف.

قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبن، قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدر.

يفرح الإنسان أنه ذكيٌّ وحصل مالاً حراماً بذكائه، لن تكون ذكيًّا في تحصيل أموالك إلا إذا كنتَ في طاعة الله، وأي إنسان لا يُدخِل اللهَ جل جلاله في حساباته اليومية يكون أحمق، قال تعالى: ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) وفي الحديث: 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه ]

بطولتك: أن تضع رأسك على الوسادة, وليس لأحد من الخلق حق عندك، ولا دابة, و لا كلب, ولا قطة، ليس لمخلوق له حق عندك، هذه بطولتك، ولو كنت فقيراً، ولو كنت ضعيفاً، ولو كنت مريضاً, ولو كنت مضطهداً، بطولتك: أن تكون بريئاً من تعلق الحقوق بك، أما إذا كان الإنسان ظالماً وبنى مجده على أنقاض الآخرين، وبنى غناه على إفقارهم، وبنى أمنه على خوفهم، بنى حياته على موتهم فهو جبان.

أقول لك هذه الكلمة: هناك إنسان يعيش للناس هم الأنبياء، وهناك أناس يعيشون لإنسان، فبين أن تكون في خدمة الخلق، وبين أن يكون الخلق في خدمتك؛ لا تفرح لا بمال وفير، ولا بمكانة عالية, ولا بحظ رائع، افرح بطاعة الله، وكل إنسان يفرح بشيء لا يرضي الله أحمق، غبي، والعلم حكم على الحال، وليس الحال مقياساً، ضعاف العقول بين الناس، ترقص لهم الدنيا أحياناً، تجدهم يضحكون، ضحك، واستعلاء، وتعليقات لاذعة، ومشية فيها كبر، وسيارته فارهة، يفرح بشيء سخيف، أما المؤمن فيفرح بطاعة الله، يفرح أنه في رضوان الله، يفرح أنه في خدمة الخلق، يفرح أنه ينام الليل وليس لأحد عنده حق أبداً.

 

المؤمن وقاف عند كتاب الله :


قيل لأحدهم, يبدو أنه داعية, شاب أحبّه الناس كثيراً, والتفوا حوله, فالطرف الآخر أصابتهم الغيرة والحسد، بدؤوا يتكلمون في حقه كلاماً غير صحيح، فجاء رجلٌ بشخص إلى هذا الداعية, فقال له: إنني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: هل سمعت مني عنهم شيئا؟ قال له: لا، قال له: عليهم فأشفق.

عوِّد نفسك لا تقابل من عصى الله فيك إلا أن تطيع الله فيه.

قال شخص لآخر: لقد اغتبتني، قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مغتابا أحداً لأغتبت أبي وأمي, لأنهم أولى بحسناتي منك.

المؤمن موقن أنه إذا اغتاب، فإنّ هذا المغتابَ سيقف لك يوم القيامة ويأخذ من حسناته ، والمؤمن وقاف عند كتاب الله، ومقياس الدنيا لا قيمة له، قد تكون فقيراً وتكون عند الله كبيراً.

وقف النبيُّ لأحد أصحابه, فقال له: 

(( أهلاً بمن خبّرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي يا سول الله؟ قال له: نعم؛ خامل في الأرض علَم في السماء))

قد تكون شاباً لا تملك من الدنيا شيئاً. 


ما معنى خافضة رافعة؟.


قلت مرة: كنت في مؤتمر في المغرب، وجلسنا في أرقى فندق في المغرب، واستيقظت على صلاة الفجر، وسمعت صوت قرآن نديّ مع الفجر، نظرتُ من الشرفة, فإذا عامل الحديقة يصلِّي الفجر على الحشيش بصوت شجيٍّ,  واللهِ غلبَ على ظني أن هذا الذي يصلي بهذا الصوت الشجيِّ أقرب إلى الله مِن كل مَن في الفندق, والمؤتمر إسلامي طبعاً، إنسان موصول بالله هذا بطل، ومرتبتك الاجتماعية لا قيمة لها أبداً، قال تعالى: 

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) ﴾

[ سورة الواقعة  ]

مَنْ كان في أعلى عليِّين ولم يكن يعرف الله عز وجل يهبط إلى أسفل سافلين، والذي كان في أسفل سافلين وكان قد عرف الله عز وجل، لذلك: خافضة رافعة.

هذا الحديث يقصم الظهر: 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه ]

تعريف المفلس بالسهل البسيط: من لا درهم له ولا متاع.

المفلس يصلي ويصوم، لكنه شرس في تعامله مع الخلق، عباداته التعاملية سيئة جداً، لذلك هذا مفلس.

(( وعَنْ ثَوْبَانَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا  ))

[ أخرجه ابن ماجه في سننه  ]

لهم خلوات فيها معصية، أما مواقفهم المعلنة رائعة، ممثلون، والتمثيل الآن دقيق، يمثِّل عليك فتظنه تقياً نقياً ورعاً، فإذا هو فاجر.

أقول هذه الكلمة واحفظوها: إذا كان معك كيلو من الذهب الخالص, وظن الناس أن هذا من المعدن الخسيس، من هو الرابح؟ أنت، الآن لو أن معك كيلو من المعدن الخسيس وأوهمتَ الناسَ أنه ذهبٌ، فصدّق الناسُ كلامَك، فمن هو الخاسر؟ أنت، خيرك منك، وشرك منك، كن مع الله واضحاً.

 

الخلاصة :


أنّ كل مؤمن يدخل في عالم الإيمان له دهشة، عالم الإيمان له دهشة، وله أحوال مسعدة, ولكن هذه الأحوال لا تلبث أن تضعف، ضعف هذه الأحوال مع بقاء الاستقامة لا ضير فيه أبداً، الحال موجود لكن بشكل أَلِفْتَهُ أنت، وأحياناً يدخل الإنسان إلى بيت فيُدهش، له إطلالة رائعة، ومساحة كبيرة, أثاث فاخر، منطقة هادئة، اسأل أصحاب البيت: هل هم مدهوشون كهذا الداخل؟ أبداً، لأنهم أَلِفُوه.

قد تدخل إلى مكتب وزير، مكتب فخم جداً، وأثاث من أفخم ما يكون، اسأل صاحب المكتب: هل هو مندهش مثلك؟ أبداً، الدهشة مؤقتة، فإذا دُهش الإنسان، قال تعالى: ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) أحياناً الإنسان يُدهش بفتاة، تزوجها، هل يبقى مدهوشاً بها؟ تخف الدهشة إلى أن تتلاشى, فلذلك الدهشة مؤقتة، العبرة بالاستقامة، واحفظ هذه الكلمة: دائماً العلم حكم على الحال, لأن هناك حالاً رحمانياً وحالاً شيطانياً.

شاهدت شخصاً فرض على إنسان مدان مبلغاً ضخماً جداً، في وقته كان مبلغاً ضخماً  ثلاثمائة ألف، كان الدولار بثلاثة ليرات وثمانين قرشاً، فرض عليه مبلغاً ضخماً، فخضع له، الأول يستطيع أن يدفعه عشرين ضعفاً، طلب منه ثلاثمائة ألف، وجد الذي قبض المبلغ في وجهه تألقاً، ويكاد وجهه يضيء من الإشراق، هل هذا موصول بالله؟ لا, هذا شيطان، فيمكن أن يتألق وجهك، ويمكن أن تشعر بسرور بالغ متى حققت هدفك، وقد يكون الهدف غير مشروع عند الله عز وجل، فلا تعتد بالحال اعتدّ بالعلم, أما إذا كان حالك مغطى بالعلم. 

أنت جالس جلسة مع بعض الناس, وتكلمت كلاماً طيباً، كلاماً واضحاً، كلامًا معه دليل، بحال قوي، فتأثروا تأثراً بالغاً، ورأيت معظمهم عقد التوبة، أنت فرحت, معك الحق بفرحك، هذا من أعظم الأعمال، هذه صنعة الأنبياء، فأنت يمكن أن تفرح مليون مرة, وكل هذا الفرح مغطى بالقرآن والسنة، فرحك مشروع، دائماً زن فرحك بمقياس الشرع، وإياك أن تقيم فرحك بمطلق الفرح.

قال تعالى: ( لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) قال تعالى: ( فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) ينبغي أن تفرح بفضل الله عز وجل، قال تعالى:( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) وبالمقابل: قال تعالى: ( لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) معنى ذلك: أن هناك فرحاً لا يحبه الله، وهناك فرح يحبه الله، قال تعالى:( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) هذا فرح مشروع، وقال تعالى: ( لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) هذا فرح غير مشروع، فالبطولة أن تفرح فرحاً مشروعاً.

و الحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور